اعلم أنّ أهل الأديان وأرباب الملل اتّفقوا على عذاب النار وثواب الجنّة كما نطقت به الآيات والأخبار. وأمّا حكماء الفلاسفة ، فقد أطبقوا على نفيه. قال شارح المقاصد في تقرير مذهبهم في الجنّة والنار والثواب والعقاب : أمّا القائلون بعالم المثل ، فيقولون بالجنّة والنار وسائر ما ورد به الشرع من التفاصيل ولكن في عالم المثل لا من حيث المحسوسات المحضة على ما يقول به الإسلاميّون. وأمّا الأكثرون فيجعلون ذلك من قبيل اللّذّات والآلام العقليّة. وذلك أنّ النفوس البشريّة سواء جعلت أزليّة ، كما هو رأي أفلاطون ، أو لا ، كما هو رأي أرسطو ، فهي أبديّة عندهم لا يفنى بخراب البدن بل تبقى ملتذّة بكمالاتها مبتهجة بإدراكاتها ، وذلك سعاداتها وثوابها وجنانها على اختلاف المراتب وبتفاوت الأحوال ، أو متألّمة بفقد الكمالات وفساد الاعتقادات ، وذلك شقاوتها وعقابها ونيرانها على ما لها من اختلاف التفاصيل. وإنّما لم تتنبّه لذلك في هذا العالم لاستغراقها في تدبير البدن وانغماسها في كدورات عالم الطبيعة. فما ورد في لسان الشرع من تفاصيل الثواب والعقاب وما يتعلّق بذلك في السمعيّات ، فهي مجازات وعبارات عن تفاصيل أحوالها في السعادة والشقاوة واختلاف أحوالها في اللّذّات والآلام والتدرّج فيما لها من دركات الشقاوة إلى درجات السعادة. فإنّ الشقاوة السرمديّة إنّما هي بالجهل المركّب الراسخ والشرارة المضادّة للملكة الفاضلة لا الجهل البسيط والأخلاق الخالية عن غايتي الفضل والشرارة. فإنّ شقاوتها منقطعة بل ربما لا تقتضي الشقاوة أصلا. ثمّ طوّل في تفصيل مقالاتهم. وهذا الاعتقاد بمراحل من الشرائع وكلام المرسلين وهم لها نافون. (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ).
[١٩] (هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩))
(خَصْمانِ). الخصم يستوي فيه الواحد والجمع والذكر والأنثى. قيل : نزلت في ستّة نفر من المؤمنين والكفّار تبارزوا يوم بدر ؛ وهم : عليّ وحمزة وعبيدة بن الحارث ، والكفّار
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4133_uqud-almarjan-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
