وَرائِهِ) : من بين يديه (عَذابٌ غَلِيظٌ). أي : في كلّ وقت يستقبله يتلقّى عذابا أشدّ ممّا قبله وأغلظ. ويحتمل أن يكون أهل مكّة قد استفتحوا ـ أي : استمطروا ، والفتح المطر ـ في سني القحط التي أرسلت عليهم بدعوة رسول الله صلىاللهعليهوآله فلم يسقوا فذكر سبحانه ذلك وأنّه خيّب كلّ جبار عنيد وأنّه يسقى في جهنّم بدل سقياه ماء آخر وهو صديد أهل النار. واستفتحوا ، على هذا التفسير ، كلام مستأنف منقطع عن حديث الرسل وأممهم. (١)
(عَذابٌ غَلِيظٌ). وهو الخلود في النار. (٢)
[١٨] (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ)
(مَثَلُ). مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه. تقديره : فيما يقصّ عليكم مثل الذين. والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة. وقوله : (أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ) جملة مستأنفة. كأنّ سائلا يقول : كيف مثلهم؟ فقيل : أعمالهم كرماد. ويجوز أن يكون المعنى : مثل أعمال الذين كفروا ، وهذه الجملة خبر للمبتدأ. أي : صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد. أو يكون أعمالهم بدلا من (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) على تقدير مثل أعمالهم وكرماد الخبر. (فِي يَوْمٍ عاصِفٍ). جعل العصف لليوم وهو لما فيه وهو الريح. كقولك : يوم ماطر. وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وقري الأضياف وغير ذلك ، لكنّها على غير الأساس من المعرفة والإيمان به. (٣)
(كَرَمادٍ). أي في قلّة انتفاعهم بها. (اشْتَدَّتْ) ؛ أي : ذرته ونسفته. (عاصِفٍ) ؛ أي : شديد الريح. فكما لا يقدر أحد على جمع ذلك الرماد المتفرّق والانتفاع به ، فكذلك هؤلاء الكفّار. (مِمَّا كَسَبُوا) ؛ أي : لا يقدرون على الانتفاع بأعمالهم. ومثله قوله : (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً). (٤)(ذلِكَ). يعني أنّ عملهم ذلك هو الذهاب البعيد
__________________
(١) الكشّاف ٢ / ٥٤٦ ـ ٥٤٧.
(٢) مجمع البيان ٦ / ٤٧٤.
(٣) الكشّاف ٢ / ٥٤٧.
(٤) الفرقان (٢٥) / ٢٣.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4132_uqud-almarjan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
