التمكّن ممّا لأجله يبعث الأنبياء إلى العباد ، ولعلمه أنّ أحدا لا يقوم مقامه في ذلك. فطلب التولية ابتغاء وجه الله ، لا لحبّ الملك والدنيا. وعن النبيّ صلىاللهعليهوآله : رحم الله أخي يوسف. لو لم يقل : (اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ) لاستعمله من ساعته. ولكنّه أخّر ذلك سنة. قيل : كان الملك يصدر عن رأيه وكان كالتابع له والمطيع. (١)
(إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ). فيه دلالة على أنّه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه. فإنّه عرّف الملك حاله ليقيمه في الأمور التي فيها صلاح العباد ، فلا يدخل تحت قوله : (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ). (٢) وقيل : إنّ الملك الأكبر فوّض إليه أمر مصر وعزل قطفير وجعل يوسف مكانه. وقيل : إنّ قطفير هلك في تلك اللّيالي ، فزوّج الملك امرأته زليخا بيوسف فوجدها عذراء. (٣)
[٥٦] (وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم : لمّا مات العزيز في السنين المجدبة ، افتقرت امرأة العزيز واحتاجت حتّى سألت الناس. فقالوا لها : ما يضرّك لو قعدتي للعزيز؟ فقالت : أستحيي. فلم يزالوا بها حتّى قعدت. فجاء يوسف في موكبه. فقالت له : سبحان من جعل الملوك بالمعصية عبيدا والعبيد بالطاعة ملوكا. فأمر بها فحوّلت إلى منزله. وكانت هرمة. فقال لها يوسف : لم فعلت بي كذا وكذا؟ قالت : لا تلمني. فإنّي بليت بحبّك ، ولم يكن في الدنيا لك نظير ، ولا كان بمصر امرأة أجمل منّي وبليت بزوج عنّين. [فقال لها يوسف : فما حاجتك؟] قالت : تسأل الله أن يردّ شبابي. فردّه فتزوّجها وهي بكر. فدعاه الملك بعد سنة فتوّجه وردّاه بسيفه وأمر بأن يوضع له سرير مكلّل بالدرّ والياقوت. فجلس على السرير ودانت له الملوك. فذلك قوله : (وَكَذلِكَ مَكَّنَّا) ـ الآية. (نُصِيبُ) ؛ أي : نخصّ بنعم الدنيا والدين. و
__________________
(١) الكشّاف ٢ / ٤٨٢.
(٢) النجم (٥٣) / ٣٢.
(٣) مجمع البيان ٥ / ٣٧١.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4132_uqud-almarjan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
