(وَكَذلِكَ) ؛ أي : مثل ذلك الفتن العظيم (فَتَنَّا) بعض الناس ببعض ؛ أي : ابتليناهم بهم. وذلك أنّ المشركين كانوا يقولون للمسلمين : (أَهؤُلاءِ) الذين (مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا) ؛ أي : أنعم عليهم بالتوفيق لإصابة الحقّ ولما يسعدهم عنده من دوننا ونحن المقدّمون والرؤساء وهم العبيد والفقراء ، إنكارا لأن يكون أمثالهم على الحقّ وممنونا عليهم من بينهم بالخير. ونحوه : (لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ). (١) ومعنى فتنّاهم ليقولوا ذلك : خذلناهم فافتتنوا ، حتّى كان افتتانهم سببا لهذا القول. لأنّه لا يقول مثل قولهم هذا إلّا مخذول مفتون. (أَلَيْسَ اللهُ). أي : الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفّقه للإيمان ومن يصمّم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق. (٢)
[٥٤] (وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ). هم الذين يدعون ربّهم. وصفهم بالإيمان بالقرآن واتّباع الحجّة بعد ما وصفهم بالمواظبة على العبادة. وأمره بأن يبدأهم بالتسليم أو يبلّغ سلام الله إليهم ويبشّرهم بسعة رحمة الله وفضله بعد النهي عن طردهم ، إيذانا بأنّهم الجامعون لفضيلة العلم والعمل ومن كان كذلك كان ينبغي أن لا يطرد ويبشّر من الله بالسلامة في الدنيا والرحمة في الآخرة. (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ). بالكسر. استئناف لتفسير الرحمة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالفتح على البدل منها. (بِجَهالَةٍ) في موضع الحال. أي : من عمل ذنبا جاهلا بحقيقة ما يتبعه من المضارّ والمفاسد ، أو متلبّسا بفعل الجهالة. فإنّ ارتكاب ما يؤدّي إلى الضرر ، من أفعال أهل السفه والجهل. (مِنْ بَعْدِهِ) : بعد العمل أو السوء. (وَأَصْلَحَ) بالتدارك والعزم على أن لا تعود إليه. (فَأَنَّهُ). فتحه من فتح الأوّل غير نافع على إضمار مبتدأ أو خبر. أي : أمره
__________________
(١) الأحقاف (٤٦) / ١١.
(٢) الكشّاف ١ / ٢٨.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4132_uqud-almarjan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
