من رحمته. (وَغَضِبَ عَلَيْهِ) : أراد به العقوبة والاستخفاف به. وقيل : غضبه أن ضرب عليهم الذلّة والمسكنة والجزية أينما كانوا من الأرض. ولا تعلّق في هذه الآية للمجبرّة. لأنّ أكثر ما تضمّنته الأخبار بأنّه خلق من يعبد الطاغوت ـ على قراءة حمزة ـ ولا شبهة في أنّه خلق الكافر ولا يوجب أن يكون خلق كفره. وليس لهم أن يقيسوه على قوله : (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ). لأنّ هذا الجعل لا يجور أن يكون إلّا من الله بخلاف جعل الكفر. فإنّ الدليل قائم على نفيه. (١)
(مِنْ ذلِكَ) ؛ أي : من ذلك المنقوم. (مَثُوبَةً) ؛ أي : جزاء كائنا عند الله. والمثوبة مختصّة بالخير كالعقوبة بالشرّ ، فوضعت هنا موضعها على طريقة التهكّم. ونصبها على التمييز عن بشرّ. (مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ). بدل من بشرّ على حذف المضاف. أي : بشرّ من أهل ذلك من لعنه الله. وهم اليهود أبعدهم الله من رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات ومسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت وبعضهم خنازير وهم كفّار أهل مائدة عيسى عليهالسلام. وقيل : كلا المسخين في أصحاب السبت مسخت شبّانهم قردة ومشايخهم خنازير. (٢)
فإن قلت : المعاقبون من الفريقين هم اليهود. فلم شورك بينهم في العقوبة؟ قلت : كان اليهود ـ لعنوا ـ يزعمون أنّ المسلمين ضالّون مستوجبون للعقاب. فقيل لهم : من لعنه [الله] شرّ عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم. (٣)
(وَعَبَدَ). عطف على صلة من. (الطَّاغُوتَ) ؛ أي : العجل. وقيل : الكهنة. وكلّ من أطاعوه في معصية الله. (أُولئِكَ) ؛ أي : الملعونون. (٤)
(وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ). حمزة بضمّ الباء ونصب الدال وجرّ الطاغوت. والوجه فيه أنّ العبد بمعنى العبد إلّا أنّه بناء مبالغة ؛ كقولهم : رجل حذر وفطن. وقيل : هما لغتان مثل سبع وسبع.
__________________
(١) مجمع البيان ٣ / ٣٣٢ ـ ٣٣٣.
(٢) تفسير البيضاويّ ١ / ٢٧٣.
(٣) الكشّاف ١ / ٦٥٢.
(٤) تفسير البيضاويّ ١ / ٢٧٣.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ١ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4130_uqud-almarjan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
