(ورابعها):
هو أن الاستدلال بهذا الباب كما أنه يدل قطعا على وجود الصانع المختار الحكيم ، فكذلك يدل قطعا على صحة البعث والحشر والنشر وذلك ؛ لأن حدوث الإنسان إنما كان بسبب اجتماع أجزاء كانت متفرقة في بدن الوالدين ، بل في جميع العالم ، فلما قدر الصانع على جمع تلك الأجزاء المتفرقة حتى خلق منها إنسانا سويا ، وجب أن يقال بعد موته وتفرق أجزائه : لا بدّ وأن يقدر الصانع على جمع تلك الأجزاء وجعلها خلقا سويا كما كان أوّلا بلا فرق.
«المقالة الثالثة عشرة»
في قوله تعالى : (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (٢٤) [المرسلات : الآيات ٢٠ ـ ٢٤]
وفيه مسألتان :
(المسألة الأولى) :
اعلم أن الله تعالى ذكر عباده كونه تعالى قادرا على الابتداء وظاهر في العقل أن القادر على ابتداء قادر على الإعادة ، فلما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة لا جرم ، قال في حقهم : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (١٥) [المرسلات : الآية ١٥]. وأما التفسير فهو أن قوله : (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) (٢٠) [المرسلات : الآية ٢٠]. أي من النطفة ، وهو كقوله : (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ) (٨) [السّجدة : الآية ٨]. (فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ) (٢١) [المرسلات : الآية ٢١] وهو الرحم ؛ لأن ما يخلق منه الولد لا بدّ وأن يثبت في الرحم ويتمكن بخلاف ما لا يخلق منه الولد. وهاهنا بحثان : الأوّل : في قرار البذرة في الرحم. والثاني : في البذرة وما يتعلق بها. (الأوّل في قرار البذرة في الرحم) :
اعلم أنه متى علقت المرأة فالتغير الذي يحصل لها يكاد أن يختص بوظائفها سيما وظيفة الهضم ، ومتى دخل السائل التناسلي في الرحم ، صار الرحم مركز التوارد السائلات إليه ، فيتجه الدم نحوه من جميع الجهات ، وتتسع أقطار أوعيته وتغلظ جدرانها وتلين وتتندى من الدم وتظهر طبيعتها العضلية ، وبعد مضي ثلاثة أشهر يدرك الحمل من انقطاع الطمث في الغالب ، وفي بعض الأحوال النادرة يستمر إلى نهاية مدة الحمل ، وعنق الرحم لا يحصل له فيها تعير ما ، بل يكون باقيا على وضعه خلف العانة ثم يأخذ في الارتفاع شيئا فشيئا إلى أعلى
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
