المخ بعنف أكثر من غيره ، ومن الحث الحاصل من الأحشاء على مطلوباتها لمركز الإدراك والأفعال المعدة لاستيفاء هذه المطلوبات توجد الظواهر الذهنية فمتى لم يجعل الحيوان زمنا بين إدراك هذه المطلوبات وبين الحركة المختصة باستيفائها كانت أفعاله صادرة من القوة الإلهامية لا غير ؛ لأن هذه القوّة الإلهامية على حدتها هي التي تتم بها أفعال الحيوانات التي في أدنى درجة من التركيب ، وكذلك الحيوانات الأكمل تركيبا ، حتى الإنسان عقب ولادته ، لكن كلما أخذ المخ في النمو والذهن في الإتقان لاحت للإنسان معرفة نفسه ، فإذا وصلت هذه الوظائف لأعلى درجة في النمو ، صارت التأثيرات الحشوية لا سلاطة لها على المخ كما كانت ، قيل : فعند ذلك تصير الأفعال المعجلة من الاحتياجات الأولية متنوعة بالقوة الذهنية تنوعا ما ، وتحدث من هذه القوة احتياجات جديدة يظهر أنها لا تعلق لها بالاحتياجات التي غايتها حفظ الحياة ، وكيفية انتقالها للمجموع العصبي لا تخالف كيفية انتقال الأولية ، وهذه القوة لها عقد وشعب في الأحشاء البطنية وفي الصلب وهما الترائب ؛ فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بالذكر ، على أن كلامكم في كيفية تولد المني وكيفية تولد الأعضاء من المني محض الوهم والظن الضعيف ، وكلام الله تعالى هو المتعين بالقبول ، وعليه المعول في كل أمر مأمول.
(المسألة الثالثة):
قد بينا في مواضع من هذا الكتاب أن دلالة تولد الإنسان من النطفة على وجود الصانع المختار الواحد القهار من أظهر الدلائل لوجوه :
(أحدها):
أن التركيبات العجيبة في بدن الإنسان أكثر ، فيكون تولده عن المادة البسيطة أدل على وجود القادر المختار.
(وثانيها):
أن اطلاع الإنسان على أحوال نفسه أكثر من اطلاعه على أحوال غيره ، وهذه الدلالة أتم.
(وثالثها):
أن مشاهدة الإنسان لهذه الأحوال في أولاده وأولاد سائر الحيوانات دائمة ، فكان الاستدلال بها على الصانع المختار أقوى.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
