المراد السحاب وسماه سماء لعلوه وسببه الأبخرة المتصدة من الكائنات الأرضية ، وتكون معلقة بالجو وهو قسمان :
(أحدهما) : سابح في الجو كالضباب والسحاب.
(وثانيهما) : ما ينزل على الأرض كالندى والمطر والثلج والبرد ، وكلها ناشئة من المياه التي تتصعد على الدوام من الأجسام الرطبة المماسة للهواء ، فإذا زاد مقداره عما تقتضيه سعته صار ذلك البخار محسوسا بالبصر سابحا في الجو ، ويكون ذلك المسمى بالضباب والسحاب في الحقيقة وهو تلك الذرات ، ثم إن تلك الذرات تتألف وتتكون ثم ينزله الله تعالى على قدر الحاجة إليه.
وأما قوله : (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ) [المؤمنون : الآية ١٨]. فقيل : معناه جعلناه ثابتا في الأرض أي كلما صعد منه شيء جذب إليها وتوضيح ذلك أنه تعالى جعل الكائنات يصعد منها مواد بخارية ، وهذا التبخير يختلف باختلاف المحل والأفراد والأجزاء المركبة لها متى كانت تلك الأجزاء غير تامة التجانس ، ومن ذلك التبخير يتكون الجو البخاري المحسوس الذي يحيط بتلك الكائنات في جميع أزمنة وجودها ، ويمكن أن يعتبر التبخير والتصعد في هذه الحالة حادثا واحدا يزيد ويسرع بزيادة الحرارة وسعة الأسطحة ويتنوع ويتحد فتنتشر بها. ثانيا : الكائنات التي صعدتها أولا لكن بهيئة أخرى وشكل جديد ، ومن المياه الساكنة في الأرض البحر المسجور لقوله تعالى : (وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦)) [التّكوير : الآية ٦]. وأصل الكلمة من سجرت التنور إذا أوقدتها ، وجعل تعالى من خواصة المؤثرات الأرضية ومنه طفحت مياه البحر على الأرض مرتين مرة قبل آدم عليهالسلام بدليل قوله تعالى : (وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً) [الزّخرف : الآية ١٠]. وقوله : (لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (٢٠)) [نوح : الآية ٢٠]. وقوله تعالى : (وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً) [الأنبياء : الآية ٣١]. وذلك أن المياه هدمت وبددت الأشياء التي كانت بين الجبال ، ودحرجت أجزاءها ووزعتها في جميع السهول ، بل رفعت بعضها على الانحدارات وفتحت أودية عظيمة وجرفتها في جميع المحال التي جرت فيها تياراتها القوية فيؤخذ من هذه العظيمة أن جميع البحار لما فارقت مجاريها وحفظت سرعة الدوران التي كانت عليها قبل المصادمة دارت بقوة حول الكرة ، ومعلوم أن المياه إذا قابلتها موانع قوية كالجبال الشاهقة زاغت عن اتجاهها ، والمرة الثانية طوفان نوح عليهالسلام ودليله قوله تعالى : (حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)) [هود : الآية ٤٠].
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
