الأرض الينابيع التي تخرج من قرار بعض المواضع من عمق ، وكما يوجد الماء في جوف الأرض يوجد أيضا بكثرة في الجو فتتكون منه السحب والضباب ، ومن الماء ما يكون جامدا فوق الجبال الشامخة ، وعلى جوانبها ، وتعتبر تلك المياه كمخزن مائي يكون على الدوام ممدا للينابيع والعيون والنهيرات والأنهار لقوله تعالى : (فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ) [الزّمر : الآية ٢١]. فجعل تعالى في معظم المحال بركا كبيرة وصغيرة متفرقة ومنعزلة عن بعضها تأتي إليها مياه الأرض فإذا فاضت عليها تلك المياه أرسلتها في مجار ، ومنها إلى مجرى واحد تذهب بها إلى حيث شاء الله تعالى لقوله تعالى : (وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً) [النّمل : الآية ٦١].
(اعلم) أن جزءا من المياه التي سقطت على سطح الأرض وجزء من المياه الجامدة يرتشحان في الأرض فينفذان في خلال الطبقات التي تسمح للماء بالنفوذ في خلالها حتى تعوق سيرها طبقة لا ينفذ منها الماء ، وهذا الطبقة قد تكون من الطين فتتراكم حينئذ ، وتكون منها طبقة مائية تحت الأرض مختلفة الاتساع ، وجعل تعالى محيط هذه الطبقة جملة طبقات متداخلة في بعضها لقوله تعالى : (وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ) [البقرة : الآية ٧٤]. التفجر التفتح بالسعة والكثرة ، يقال انفجرت قرحة فلان أي انشقت بالمدة ومنه الفجر والفجور ، وقرأ مالك بن دينار. (ينفجر) يعني وأن من الحجارة ما ينشق فيخرج منه الماء الذي يجري حتى تكون منه الأنهار ، قال الحكماء : إن الأنهار إنما تتولد من المياه والأبخرة التي تجتمع في باطن الأرض فإن كان ظاهر الأرض القابل للمياه رخوا انشقت تلك المياه وانفصلت ، وإن كان ظاهر الأرض صلبا حجريا اجتمعت تلك المياه ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتى تكثر كثرة عظيمة فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهارا لقوله تعالى : (وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ) [البقرة : الآية ٧٤]. أي وإن من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عينا كقوله تعالى : (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ) [المؤمنون : الآية ١٨].
وفيه مسائل :
(الأولى):
قوله : (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ) [المؤمنون : الآية ١٨]. اختلفوا في السماء فقال الأكثرون من المفسرين : إنه تعالى ينزل الماء من السماء في الحقيقة وهو الظاهر من اللفظ ويؤكده قوله : (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) (٢٢) [الذّاريات : الآية ٢٢]. وقال بعضهم :
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
