فنقول : إذا فرضنا إنسانين وقف أحدهما على نقطة المشرق والآخر على نقطة المغرب صار أخمص قدميهما متقابلين وأيضا إذا وقف (٧) إنسان على خط الزوال إلى أي بلد ، وكان إنسان آخر واقفا في خط زوال ليلي متقاطرين فالذي هو فوق بالنسبة إلى أحدهما يكون تحت بالنسبة إلى الثاني ، فلو فرضنا أن إله العالم حصل في الحيز الذي هو فوق بالنسبة إلى أحدهما ، فذلك الحيز بعينه هو تحت بالنسبة إلى الثاني وبالعكس فثبت أنه تعالى لو حصل في حيز معين لكان ذلك الحيز تحت بالنسبة إلى أقوام معينين وكونه تعالى تحت أهل الدنيا محال بالاتفاق ، فوجب أن لا يكون حاصلا في حيز معين ، وأيضا فعلى هذا التقدير أنه كل ما كان فوق بالنسبة إلى أقوام كان تحت بالنسبة إلى أقوام آخرين وكان يمينا بالنسبة إلى ثالث وشمالا بالنسبة إلى رابع ، وقدام الوجه بالنسبة إلى خامس ، وخلف الرأس بالنسبة إلى سادس ، فإن كون الأرض كرة يوجب ذلك إلا أن حصول هذه الأحوال بإجماع العقلاء محال في حق إله العالم إلا إذا قيل : إنه محيط بالأرض من جميع الجوانب لكون هذا فلكا محيطا بالأرض وحاصله يرجع إلى أن إله العالم هو بعض الأفلاك المحيطة بهذا العالم ، وذلك لا يقول به مسلم والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما قوله تعالى : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : الآية ٥٤]. ففيه حجج:
(الحجة الأولى):
لو كان إله العالم فوق العرش لكان إما أن يكون مماسا للعرش أو مباينا له ببعد متناه ، أو ببعد غير متناه والأقسام الثلاثة باطلة ، فالقول بكونه فوق العرش باطل. أما بيان فساد القسم الأول فهو بتقدير أنه مماس للعرش كان الطرف الأسفل منه مماسا للعرش أيضا فهل يبقى فوق ذلك الطرف شيء غير مماس للعرش أو لم يبق فإن كان الأول فالشيء الذي منه صار مماسا لطرف العرش غير ما هو منه غير مماس لطرف العرش ، فيلزم أن تكون ذات الله تعالى مركبة من الأجزاء والابعاض فتكون ذاته في الحقيقة مركبة من سطوح متلاقية موضوعة بعضها فوق بعض ، وذلك هو القول بكونه جسما مركبا من الأجزاء والأبعاض وذلك محال ، وإن كان الثاني فحينئذ يكون ذات الله تعالى سطحا رقيقا لا ثخن له أصلا ، ثم يعود التقسيم فيه وهو أنه إن حصل له تمدد في اليمين والشمال والأمام والخلف كان مركبا من الأجزاء والأبعاض ، وإن لم يكون له تمدد ولا ذهاب في الأحياز بحسب الجهات الست كان ذرة من الذرات ، وجزءا لا يتجزأ مخلوطا بالهماآت ، وذلك لا يقوله عاقل.
__________________
(٧) قوله : وأيضا إذا وقف ... إلخ. كذا بالأصل وليحرر. اه.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
