وأوضاعها أمر واجب لذاته ممتنع التغير ، فيستغني عن المؤثر فيحتاج في إبطال ذلك إلى إقامة الدلائل على شمائل الأجسام الأرضية ، فإنا نشاهد تغيرها في جميع صفاتها أعني حصولها في أحيازها وألوانها وطعومها وطباعها ، ونشاهد أن كل واحد من أجزاء الجبال والصخور الصم يمكن كسرها وذوبانها وصبها وإزالتها عن مواضعها ، وجعل العالي سافلا ، والسافل عاليا ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن اختصاص كل واحد من أجزاء الأرض بما هو عليه من المكان والحيز والمماسة والقرب من بعض الأجسام ، والبعد من بعضها ممكن التغير والتبدل ، وإذا ثبت أن اتصاف تلك الأجرام بصفاتها أمر جائز وجب افتقارها في ذلك الاختصاص إلى مدبر قديم عليم سبحانه وتعالى عن قول الظالمين وإذا عرفت مأخذ الكلام سهل عليك التفريع.
(المسألة الثانية) :
إن الأرض تظهر جزء مجزأ إلى الشمس ، وظهور الضوء لتلك الأجزاء بواسطة انكساره في الهواء لو قلنا : إنه حصل بقدرة الله تعالى ابتداء من حيث إنه تعالى أجرى عادته بخلق الضوء في الهواء عند طلوع الشمس فلا كلام ، وإن قلنا الشمس توجب حصول الضوء في الجرم المقابل له كان اختصاص الشمس بهذه الخاصية دون سائر الأجسام مع كون الأجسام بأسرها متماثلة يدل على وجود الصانع سبحانه وتعالى ، فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال المحرك لأجرام السماوات والارض ملك عظيم الجثة والقوة وله خلفاء ، وحينئذ لا يكون اختلاف الليل والنهار دليلا على الصانع.
(قلنا) : أما على قولنا فلما دل الدليل على أن قدرة العبد غير صالحة للإيجاد فقد زال السؤال ، وأما على قول المعتزلة فنفى أبو هاشم هذا الاحتمال بالسمع.
(المسألة الثالثة) :
العالم كرة وإذا كان الأمر كذلك امتنع أن يكون إله العالم حاصلا في جهة إلا أنا نقول : إذا اعتبرنا كسوفا قمريا حصل في أول الليل بالبلاد الغربية كان عين ذلك الكسوف حاصلا في البلاد الشرقية في أول النهار فعلمنا أن أول الليل بالبلاد الغربية هو بعينه أول النهار بالبلاد الشرقية ، وذلك لا يمكن إلا إذا كانت الأرض مستديرة من المشرق إلى المغرب ، وأيضا إذا توجهنا إلى الجانب الشمالي فكلما كان توغلنا أكثر كان ارتفاع القطب الشمالي أكثر ، وبمقدار ما يرتفع القطب الشمالي ينخفض القطب الجنوبي ، وذلك يدل على أن الأرض مستديرة من الشمال إلى الجنوب ، ومجموع هذين الاعتبارين يدل على أن الأرض كرة ، فإذا ثبت هذا
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
