وأما القسم الثاني وهو أن يقال بينه وبين العالم بعد متناه فهذا أيضا محال ؛ لأنه على هذا التقدير لا يمتنع أن يرتفع العالم من حيزه إلى الجهة التي فيها حصلت ذات الله تعالى إلى أن يصير العالم مماسا له ، وحينئذ هو كالمحال المذكور في القسم الأول ، وأما القسم الثالث ، وهو أن يقال إنه تعالى مباين للعالم بينونة غير متناهية ، فهذا أظهر فسادا من كل الأقسام ؛ لأنه تعالى لما كان مباينا للعالم كانت البينونة بينه تعالى وبين غيره محدودة بطرفين ، وهما ذات الله تعالى وذات العالم ومحصورا بين هذين الحاصرين ، والبعد المحصور بين الحاصرين والمحدود بين الحدين والطرفين يمتنع كونه بعدا غير متناه.
(فإن قيل) : أليس أنه تعالى متقدم على العالم من الأزل إلى الأبد ، فنقدمه على العالم محصورين حاصرين ومحدودين حادين وطرفين أحدهما الأزل والثاني أول وجود العالم ، ولم يلزم من كون هذا التقدم محصورا بين الحاصرين أن يكون لهذا التقدم أول وبداية فكذا هاهنا وهذا هو الذي عول عليه محمد بن الهيتم في دفع هذا الإشكال عن هذا القسم ، فالجواب المعول عليه أن هذا محض مغالطة ؛ لأنه ليس الأزل عبارة عن وقت معين وزمان معين حتى يقال إنه تعالى متقدم على العالم من ذلك الوقت إلى الوقت الذي هو أول العالم فإن كل وقت معين يفرض من ذلك الوقت إلى الوقت الآخر يكون محدودا بين حدين محصورا بين حاضرين ، وذلك لا يعقل فيه أن يكون غير متناه ، بل الأزل عبارة عن نفي الأولية من غير أن يشار به إلى وقت معين البتة ، إذا عرفت هذا فنقول : إما أن نقول إنه تعالى مختص بجهة معينة ، وحاصل في حيز معين ، وإما أن لا نقول ذلك فإن قلنا بالأول كان البعد الحاصل بين ذينك الطرفين محدودا بين ذينك الحدين ، والبعد المحصور بين الحاصرين لا يعقل كونه غير متناه ؛ لأن كونه غير متناه عبارة عن عدم الحد والقطع والطرف ، وكونه محصورا بين الحاصرين معناه إثبات الحد والقطع والطرف والجمع بينهما يوجب الجمع بين النقيصين وهو محال ، ونظيره ما ذكرناه أنا متى عينا قبل العالم وقتا معينا كان البعد بينه وبين الوقت الذي حصل فيه أول العالم بعدا متناهيا لا محالة ، وأما إن قلنا بالقسم الثاني وهو أنه تعالى غير مختص بحيز معين وغير حاصل في جهة معينة فهذا عبارة عن نفي كونه في الجهة ؛ لأن كون الذات المعينة حاصلة لا في جهة معينة في نفسها قول محال ونظير هذا قول من يقول : الأزل ليس عبارة عن وقت معين ، بل إشارة إلى نفي الأولية والحدوث فظهر أن هذا الذي قاله ابن الهيثم تخييل خال عن التحصيل.
(الحجة الثانية):
أنه ثبت في العلوم العقلية أن المكان إما السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي ، وإما البعد المجرد والفضاء الممتد وليس يعقل في
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
