الحوادث العجيبة إلا عن أحد شيئن : إما عن دوران سائر الفلك في أربع وعشرين ساعة حول الأرض ، أو عن دوران الأرض في هذه المدة على نفسها ، والأول مذهب المتقدمين من الحكماء وذهب الحكماء المتأخرون إلى اختيار الثاني واستبعاد الأول وقالوا إن الشمس أعظم من الأرض بألف ألف مرة وثمان وعشرين ألف مرة وأن البعد بينهما هو أربع وثلاثون ألف ألف فرسخ وخمسمائة ألف فرسخ ، وكل فرسخ ثلاثة أميال بحيث إن كله المدفع التي عزمها في كل ثانية سبعمائة ذراع بلدي إذا فرضنا بقاء سرعتها في سيرها لا تصل إلى الشمس إلا فيما ينوف عن اثنتي عشرة سنة ، فكيف يتصور سرعة حركة الشمس بحيث تقطع كل يوم دائرة أعظم من ذلك البعد بست مرات بأن تقطع في كل يوم وليلة ما تقطعه كلة المدفع في اثنتين وسبعين مرة ، وتصير سرعتها أعظم من تعميرة المدافع بست وعشرين ألف مرة ومائتين وثمانين مرة ؛ لأن اثنتين وسبعين سنة تحتوي على ستة وعشرين ألف يوم ومائتين وثمانين يوما فهل يتصور مثل هذا الأمر ويزيد ذلك زيادة عجيبة بالنسبة إلى ما يجعل للنجوم الثوابت التي قربها إلينا هو أعظم من بعد الشمس عنا بمائة ألف مرة ، فالواجب حينئذ أن تقطع فوق مائتين وخمسين ألف ألف فرسخ في كل ثانية ، فلذلك قالت علماء الهيئة : إنه لا يتصور أن الفلك بأسره أسير لحركته حول الأرض التي هي جسم صغير جدا بالنسبة إليه ، فتعين عندهم الذهاب إلى الطريقة الأخرى وهي دوران الأرض على نفسها ودليل دوران الأرض على نفسها ، سهل وموافق لما شاهدوا في السماء ، فعلى مذهبهم في دوران الأرض على نفسها يظهر على التعاقب كل جزء من أجزائها للشمس ونظير الشمس غيرها من الثوابت ، فهي غير متحركة ولكن تظهر للرائي كأنها ترسم دائرة حول الأرض في جهة مضادة لحركة الأرض ، وتحفظ أوضاعها النسبية ، وتحرك الأرض تسعة آلاف فرسخ في اليوم والليلة فهو أسهل من حركة الفلك ، ومما عضد به مذهبهم ، أن سائر النجوم الثوابت التي يتيسر إرصادها في السماء تدور حول نفسها وموجب استثناء الأرض من هذه القاعدة الكلية وإنما كانت حركة الأرض غير محسوسة لنا لتساوي حركتها ولأن سائر ما على ظهرها يدور معها بحيث إننا نرى الأشياء كلها على وضع نسبي ، ونظير ذلك أننا إذا سرنا في تختر وأن يجري بسرعة وصرفنا النظر إلى رأس شجرة أو أعالي مبان ظهر لنا قرارنا وبعد الأشياء الخارجة في جهة على عكس مقصدنا ويتم التمثيل إذا كنا لا نشعر بالحركة ولا نعرف أن الحركة تنسب إلى محلنا.
(المبحث الثاني):
أن الأجرام الكروية كانت في ابتدائها سائلة كما قلنا ، ومتى كانت كذلك كانت متحركة واحتج من قدح في كروية الأرض بأمرين :
(أحدهما) : أن الأرض لو كانت كرة لكان مركزها منطبقا على مركز العالم ، ولو كان
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
