لا يقبل صفة ، بل هو واحد من جميع الوجوه ، فعلمه وقدرته وحياته هي حقيقته وعينه وذاته ، والمشبه يثبت لله تعالى صفة الأجسام من الحركة والسكون والاستواء والجلوس والصعود والنزول فبينهما منافاة ، ثم إن اليهود في هذا الكلام جمعوا بين المسألتين فأخذوا بمذهب الفلاسفة في المسألة التي هي أخص المسائل بهم ، وهي القدم حيث أثبتوا قبل خلق الأجسام أياما معدودة وأزمنة محدودة ، وأخذوا بمذهب المشبهة في المسألة التي هي أخص المسائل بهم وهي الاستواء على العرش فأخطؤوا وضلوا في الزمان والمكان جميعا.
(في بيان الدليل على قدرته تعالى على إعادة الخلق)
قال تعالى : (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ) [الأنبياء : الآية ١٠٤].
أما قوله : (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) [الأنبياء : الآية ١٠٤].
ففيه مسألتان :
(الأولى) : قال الفراء : (أَوَّلَ خَلْقٍ) [الأنبياء : الآية ١٠٤]. مفعول نعيد الذي يفسره (نُعِيدُهُ) [الأنبياء : الآية ١٠٤]. والكاف مكفوفة بما ، والمعنى نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيها للإعادة بالابتداء. فإن قلت : ما بال خلق منكرا؟ قلت : هو كقولك : أول رجل جاءني زيد تريد أول الرجال ، ولكنك وحدته ونكرته إرادة تفصيلهم رجلا رجلا ، فكذلك معنى أو خلق بمعنى أول الخلائق ؛ لأن الخلق مصدر لا يجمع.
(المسألة الثانية):
اختلفوا في كيفية الإعادة : فمنهم من قال : إن الله تعالى يفرق الأجسام ويفرق عناصرها ولا يعدمها ثم إنه يعيد تركيبها ، فذلك هو الإعادة. ومنهم من قال : إنه تعالى يعدمها بالكلية ، ثم يوجدها بعينها مرة أخرى. (وأقول) : يظهر لك باب الإعادة في قوله تعالى : (وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ) (٦) [التّكوير : الآية ٦]. وقد قرئ بالتخفيف والتشديد وفيه وجوه :
(أحدها) : أن أصل الكلمة من سجرت التنور إذا أوقدتها ، والشيء إذا أوقد فيه نشف ما فيه من الرطوبة ، فحينئذ لا يبقى في البحار شيء من الرطوبات ألبتة ، ثم إن الجبال قد سيرت كما قال تعالى : (وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ) [النّبإ : الآية ٢٠]. وحينئذ فتصير البحار والأرض شيئا واحدا في غاية الحرارة والإحراق كقوله تعالى : (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) [الأنبياء : الآية ١٠٤]. وهكذا كانت الكرة في ابتدائها.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
