(وثانيها) : (سُجِّرَتْ) [التّكوير : الآية ٦] أوقدت ، قال القفال : وهذا التأويل يحتمل وجهين :
(الأول) : أن الله يولد في الأرض أجزاء غير مسجورة لقوام الدنيا ، فإذا انتهت مدة الدنيا أوصل الله كمال تلك الأجزاء بثوران النيران إلى البحار فصارت بالكلية مسجورة بسبب ذلك.
(الثاني) : أن يخلق الله تعالى الأجزاء التي كانت أولا ذات شعل في جميع الكرة فتتكون وتتكامل شعلها فتأخذ الكرة في الاشتعال كما كانت أولا ، وأقسم الله تعالى بها في الطير بقوله : (وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) (٦). أي الموقود نارا ، يقال : سجرت التنور أوقدته : وهذا البحر المسجور الموجود في باطن الأرض المتموج بنار بيضاء بعد الاحمرار من قوله تعالى : (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً) (١٤) [المزمّل : الآية ١٤].
(اعلم) أن الرجفة معناها الزلزلة والزعزعة الشديدة ، والكثيب القطعة العظيمة من الرمل أو غيره ، وجمعه الكثبان ، وفي كيفية الاشتقاق قولان :
(أحدهما) : أنه من كثب الشيء إذا جمعه ، كأنه فعيل بمعنى مفعول.
(والثاني) : قال الليث : الكثب نثر التراب والشيء يرمى به والفعل اللازم انكثب ينكثب انكثابا ، وسمى الكثيب كثيبا ؛ لأن ترابه دقاق كأنه مكثوب منثور بعضه على بعض لرخاوته.
وقوله : (مَهِيلاً) [المزمّل : الآية ١٤]. أي سائلا يسيل.
وإذا عرفت هذا فنقول : إن رجفان الأرض لزيادة نومها وتمددها حال بساطتها كانت ترجف ، أي تزلزل لتركيبها ولتكميل تكونها ، كما قال تعالى : (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) [النّحل : الآية ١٥]. ولما أتم الله تعالى كمالها ، هدأت وسكنت ، ثم إنه تعالى جعل بعد ذلك الزلزال في بعض أجزائها ، وفيه جهان : (الأول) : يظهر عند هذا الحادث قطعة كبيرة من باطن الأرض ، كما قال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ) [الرّعد : الآية ٣].
(الثاني) : كما قال تعالى : (هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) [الأنعام : الآية ٦٥]. ففي البلاد التي تصاب كثيرا بالزلازل كثيرا ما انقلبت وتلفت كلها في الوقت الذي ظهر فيه هذا الحادث ، كما قال تعالى : (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) (٧٨) [الأعراف : الآية ٧٨]. فالرجفة هي الزلزلة الشديدة والاضطراب ، وهذه الاضطرابات قد تكون وقتية أو دورية أو دائمة ، ومدة إقامتها تختلف كشدتها ، ففي بعض
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
