والذين فيهم تهيجات مزمنة قديمة هم الذين تناسبهم المعيشة في تلك الدرجة ، وأما أصحاب الأمزجة الصفراوية والقابلون للتهيج والساكنون دواما في الأماكن الباردة جميعا فيتضررون جدّا من تأثير هذه الدرجة الحادة اليابسة ، والسكنى في البلاد الحارة لا تناسب الأشخاص المصابين بأمراض الصدر إلا زمن الشتاء ، وأمّا زمن الصيف فتناسبهم البلاد المعتدلة التي لا تسرع في وظائف الرئة ، ويصير التنفس بطيئا ، ولكن لكون الإنسان لا يتيسر له دائما خيرة المحال المناسبة كثيرا لصحته ، ينبغي أن نذكر له الاحتراسات التي يجب أن يستعملها من كان مضطر المعيشة في درجة مرتفعة من الحرارة إذا كانت غير مناسبة له ، فالواسطة الرئيسة لإضعاف نتيجة الحجر الشديد الزائد هي تدبير أمر الغذاء ، فينبغي أن لا يتعاطوا الأشياء الزائدة الحرارة بالإكثار من اللحوم والأطعمة الكثيرة الأفاوية والمشروبات المنبهة ، وسكان البلاد الحارة لا يلتزمون طريقة جيدة في تدبير أمر غذائهم ، بل يستعملون القهوة كثيرا والمشروبات المنبهة ، مع أن استعمال هذه الأشياء تنسب له الأمراض العديدة التي تحصل لهم ، فإن أجود الاحتراسات التي يجب استعمالهم لها هو أن تمنع أشعة الشمس من أن تنزل في بيوتهم وأن ترش بيوتهم بالماء رشا متكررا ، وأن يشربوا كثيرا كلما أحسوا بالعطش من المشروبات المبردة ، وأن يستعملوا رياضة عضلية خفيفة في وسط النهار ، وأن يستعملوا الاستحمام بالماء البارد كثيرا ، وأن يلبسوا الملابس التي لا تحفظ الحرارة ونحو ذلك.
«الثاني : الهواء الحار الرطب» :
اعلم أن الهواء يكون رطبا كلما قرب للدرجة الأخيرة وهي المكملة للمائة من ميزان رطوبة الهواء ويبوسته حتى ينتهي إليها ، فيمتلئ رطوبة ، ويكون حارا كلما خف ثقله ، ونتائج الهواء الحار الرطب على الجسم حاصلة من اجتماع الحرارة والأبخرة والخفة ، وهذا الهواء هو أكثر الأنواع إضعافا للجسم ، فإن الأعضاء فيه تتمم وظائفها بعسر ، وسائلات الجسم تكون مطيعة لفعلي الحرارة والأبخرة ، فتميل للفوران ، ثم تتجه بقوة إلى سطح الجسم ، فيحصل عرق غزير يعم سطح الجسم ويضعفه زيادة عن الضعف العمومي الذي فيه ، ويضعف الشهوة ، ويفقد العطش ، ويكون الهضم بطيء وغير كامل ، ويكثر البراز ويكون سائلا ، وتضعف دورة الدم ويعسر التنفس ويقل الحس في الجهاز العصبي ، فيحصل الهبوط ، ويصعب على الجسم أدنى حركة ، وإذا استمرّت هذه الحالة في الهواء زمنا ، أورثت الأشخاص الموجودين في ذلك المكان طباع المزاج اللينفاوي ، أعني أنه يصير لحمهم رخوا منتفخا ، ويفقد لون وجوههم ، ويحصل لهم ضعف ، ولكون الهواء الحار الرطب هو أكثر
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
