وذلك لوجهين :
(الوجه الأول) :
أن نسجه فيه فائدة له لولاه لما حصل ، وهو اصطيادها الذباب به من غير أن يفوته ما هو أعظم منه ، واتخاذهم الأوثان وإن كان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من متاع الدنيا ، لكن يفوتهم ما هو أعظم منها وهو الدار الآخرة التي هي خير وأبقي ، فليس اتخاذهم كنسج العنكبوت.
(الوجه الثاني) :
هو أن نسجه مفيد ، لكن اتخاذها ذلك بيتا أمر باطل ، فكذلك هم لو اتخذوا الأوثان دلائل على وجود الله تعالى وصفات كماله وبراهين على نعوت إكرامه وأوصاف جلاله لكان حكمة لكنهم اتخذوها أولياء كجعل العنكبوت النسيج بيتا وكلاهما باطل. وهنا وجه ثالث أيضا : وهو أن هذه المثل كما هو صحيح في الأول فهو صحيح الآخر ، فإن بيت العنكبوت إذا هبت الريح لا يرى منه عين ولا أثر ، بل يصير هباء منثورا ، فكذلك أعمالهم للأوثان كما قال تعالى : (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) (٢٣) [الفرقان : الآية ٢٣].
(المسألة الثالثة):
قال : (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ) [العنكبوت : الآية ٤١]. ولم يقل آلهة ، إشارة إلى إبطال الشرك الخفي أيضا ، فإن من عبد الله تعالى رياء لغيره ، فقد اتخذ وليا غيره ، فمثله مثل العنكبوت يتخذ نسجه بيتا ، ثم إنه تعالى قال : (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت : الآية ٤١]. إشارة إلى ما بينا من أن كل بيت ففيه أما فائدة الاستظلال أو غير ذلك ، وبيته يضعف عن إفادة ذلك ؛ لأنه يخرب بأدنى شيء ولا يبقى منه عين ولا أثر ، فكذلك عملهم وقوله : (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) [البقرة : الآية ١٠٢] أي شيئا من الأشياء لجزموا أن هذا مثلهم ، وفيه إشارة أيضا إلى ما بينا سابقا. وقيل : معنى قوله تعالى : (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) [البقرة : الآية ١٠٢]. أي يرجعون إلى علم لعلموا أن هذا مثلهم وفي هذا كفاية والله ولي الهداية.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
