(المسألة الثانية) :
قال الزجاج : يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان نحلا ؛ لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها. وقال غيره : النحل يذكر ويؤنث وهي مؤنثة في لغة الحجاز ولذلك أنثها الله تعالى ، وكذلك كل جميع ليس بينه وبين واحده إلا إلهاء ، ثم قال تعالى : (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) [النّحل : الآية ٦٨]. قال صاحب الكشاف : (أَنِ اتَّخِذِي) [النّحل : الآية ٦٨]. هي إن المفسرة ؛ لأن الإيحاء فيه معنى القول ، وقرئ (بيوتا) بكسر الباء (وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) [النّحل : الآية ٦٨]. أي يبنون ويسقفون وفيه لغتان قرئ بهما ضم الراء وكسرها مثل يعكفون.
(واعلم) أن النحل نوعان : أحدهما ما يسكن في الجبال والغياض ولا يتعهدها أحد من الناس ، والنوع الثاني : التي تسكن بيوت الناس وتكون في تعهدات الناس ، فالأول وهو المراد بقوله : (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) [النّحل : الآية ٦٨] وهو خلايا بالنحل فإن قيل : ما معنى من في قوله : (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) [النّحل : الآية ٦٨]. وهلا قيل في الجبال وفي الشجر قلنا : أريد به معنى البعضية وأن لا تبنى بيوتها في كل جبال وشجر ، بل في مساكن توافق مصالحها وتليق بها.
(المسألة الثالثة) :
ظاهر قوله تعالى : (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً) [النّحل : الآية ٦٨]. أمر ، وقد اختلفوا فيه ، فمن الناس من يقول لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول وإدراك ، ولا يبعد أن يتوجه عليها من الله تعالى أمر ونهي ، وقال آخرون : ليس الأمر كذلك بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال ، ثم قال تعالى : (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) [النّحل : الآية ٦٩]. لفظة من هاهنا للتبعيض أو لابتداء الغاية ، ثم إن رحيق الأزهار والعصارات اللزجة المختلفة والسكرية للنباتات متى لعقها النحل وازدردها تتنوع في معدته فتستحيل إلى عسل ، ثم يخرجه الحيوان من معدته إلى فمه ، ويضعه في خلايا معدة لذلك بالخصوص وطبيعة الأزهار لها تأثير في لون العسل وطعمه ورائحته العطرية وجودته فيها هناك أنواع من العسل بيضاء اللون ومنها ما هو ذو أصفر ذهبي ومنها المائل للحمرة والأشقر والأسمر بل والأسود ، والأخضر والعسل المجهز من رحيق نباتات الفصيلة الشفوية أي الريحانية عطري جدا ، وقد حقق بعضهم أنه لما زرع حصى اللبان أما خلايا نحل ، ولم يكن لعسلها قبل ذلك رائحة صار عطري الرائحة من وقتها ، وشجر البقس يكسب العسل النحل طعما مرا والعسل
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
