منها خلية سلطانية ويغذي دودة شغالة توضع فيها فتستحيل إلى أنثى ملكة بدل أن تستحيل إلى نحلة شغالة ، ومتى انفتح البيض واستحال ما فيه في حشرات ينظف النحل الشغال الخلايا لتصير صالحة لاستقبال بيض جديد ، ولا يكون الأمر كذلك في الخليفة السلطانية فإنها تهدمها وتضع خلية جديدة بدلها لكل وضع بيض ، ومتى ولدت ملكة في خلية يشاهد حصول اضطراب عظيم ، فيرى جميع النحل في جميع النحل في حال حركة من عدة وجوه ، فمن وجه يرى أن الملكة العتيقة تبحث على القرب من عدوتها كي تلدغها بزبانها ، ويرى من وجه آخر أن جملة من النحل الشغال تتوسط بينهما لأجل المدافعة عن الملكة الصغيرة ، وبعضه يحمل شمعا كأنه يريد أن يحجزها في مسكنها ويحبسها فيه ليقيها من عدوتها ، وبعد زمن يسير تخرج الملكة العتيقة من خليتها وعليها غيظ عظيم ظاهر فيتبعها كثير من النحل وتتعلق مع أصحابها في فرع نحوه على بعد قليل من الخلايا الأصلية ويكون النحل في هذه الحالة مجتمعا كتلة واحدة حولها ، وحينئذ يجتهد الناس في إيقافها بإزعاجها بواسطة لغط عظيم فتتساقط ، وحينئذ تجني على ملاآت توضع بقربها فينتج خلايا مملوءة بعسل النحل فتسرع بالدخول فيها ، وهذه هي الطريقة المستعملة بتكاثر النحل ، والمملكة الجديدة التي مكثت في الخلية تصير حاكمة على جملة عظمية من النحل الذي ولد معها من انفتاح البيض واستحالته جملة عديدة من نحل صغير يستولى على الخلايا فإذا ولدت ملكتان أو ثلاثة في آن واحد يتقاتلن من بعضهن قتالا شديدا ، ومتى غلبت واحدة منهن أعداءها تصير هي الملكة ، ومتى دخلت ملكة غريبة في خلية فأما أن تقتلها الملكة الأصلية أو يقتلها بعض النحل الشغال فينقض عليها ويلدغها بزبانة ، وأحيانا يحاصر نحل خلايا نحل أخرى فإذا غلبه يأخذ جميع العسل الكائن في خلاياه ، ويمكث النحل في حالة خدر مدة الشتاء ، وقد تصور بعض الناس حفظه في محلات تحت الأرض في مدة خدره.
(السادس) أن هذا الحيوان لما امتاز بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة ، وكان حصول هذه الأنواع من الكياسة ليس إلا على سبيل الإلهام ، وهي حالة شبيهة بالوحي لا جرم قال تعالى في حقها : (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) [النّحل : الآية ٦٨].
(واعلم) أن الوحي قد ورد في حق الأنبياء لقوله تعالى : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً) [الشّورى : الآية ٥١]. وفي حق الأولياء أيضا قال تعالى : (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ) [المائدة : الآية ١١١]. وبمعنى الإلهام في حق مطلق البشر قال تعالى : (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى) [القصص : الآية ٧]. وفي حق سائر الحيوانات كما في قوله : (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) [النّحل : الآية ٦٨]. ولكل واحد من هذه الأقسام معنى خاص والله أعلم.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
