أدرك مطلوبه من زكى نفسه بأن طهرها بفعل الطاعة ومجانبة المعصية. (والثاني) : قد أفلح من زكاها الله ، وقبل القاضي البيضاوي هذا التأويل ، وقال : المراد منه أن الله حكم بتزكيتها ، وسماها بذلك كما يقال في العرف ، أن فلانا يزكي فلانا ثم قال : والأول أقرب ؛ لأن ذكر النفس قد تقدم ظاهر وإفراد الضمير العائد عليه ، فهو أولى من رده على ما هو في حكم المذكور (واعلم) أنا قد دللنا بالبرهان القاطع أن المراد بألهمها ما ذكرناه ، فوجب حمل اللفظ عليه ، وأما قوله : بأن هذا محمول على الحكم والسبحية فهو ضعيف ؛ لأن بناء التفعيلات على التكوين ، ثم لو سلمنا ذلك لكان ما حكم الله به يمتنع تغيره ؛ لأن تغير المحكوم يستلزم تغير الحكم من الصدق إلى الكذب ، وتغير العلم إلى الجهل ، وذلك محال ، والمفضي على المحال محال ، وأما قوله : لأن ذكر النفس قد تقدم. فنقول : هذا بالعكس أولى ، فإن أهل اللغة اتفقوا على أن عود الضمير على الأقرب أولى من عوده إلى الأبعد ، فقوله : (فَأَلْهَمَها) [الشّمس : الآية ٨]. أعود ضميره إلى قوله : (ما) [المسد : الآية ٢]. أقرب منه إلى قوله : (وَنَفْسٍ) [الشّمس : الآية ٧]. فكان الترجيح لما ذكرناه ، ومما يؤكد هذا التأويل ما رواه الواحدي في البسط عن سعيد بن أبي هلال أنه ـ عليهالسلام ـ كان إذا قرأ (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) (٩) [الشّمس : الآية ٩] وقف وقال : اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ، وأنت مولاها وزكها أنت خير من زكاها.
«المقالة الثالثة والعشرون»
في قوله تعالى : (وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً) (٩) [النّبإ : الآية ٩]»
طعن بعض الملاحدة في هذه الآية ، فقالوا : السبات هو النوم. والمعنى وجعلنا نومكم نوما (واعلم) أن العلماء ذكروا في التأويل وجوها : (أولها) : قال الزجاج سباتا موتا ، والمسبوب الميت من السبت وهو القطع ؛ لأنه مقطوع عن الحركة ، ودليله أمران : (أحدهما) : قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) [الأنعام : الآية ٦٠]. إلى قوله : (ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ) [الأنعام : الآية ٦٠]. (والثاني) : أنه لما جعل النوم موتا جعل اليقظة معاشا أي حياة في قوله : (وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً) (١١) [النّبإ : الآية ١١] ، ففسره هنا ، وهذا القول عندي ضعيف ، لأن الأشياء المذكورة في هذه الآية من جلائل النعم ، فلا تليق بالموت ، وأيضا ليس المراد بكونه موتا أن الروح انقطع عن البدن ، بل المراد منه انقطاع أثر الحواس الظاهرة واحدا بعد واحد فأول ما ينام العين ، ثم السمع ثم اللمس على ما يأتي على الأثر شرحه ، وهذا هو النوم ، ويصير حاصل الكلام إلى إنا جعلنا نومكم نوما. (وثانيها) : قال الليث :
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
