فيحصل من ذلك للإنسان ذهول عن الأماكن التي رآها وعن الأعلام الشخصية ، فقد وجدت مرضى لا قدرة لها على ذكر بعض الأسماء ، ولا على الأعداد حتى لم يمكنها أن تعد واحدا إلى ثلاثة ، مع أن الحافظة كانت فيها جيدة ، وتوجد أيضا تغيرات في الفؤاد بسبب الآفات المختلفة له بدون أن يعرف المحل الذي ابتدأ في المرض.
«المبحث الخامس في الحاكمة» :
الحاكمة هي القوة التي بها يقف الإنسان على حقيقة النسب الموجودة بين أجزاء الشيء الواحد على انفراده أو بين جملة أشياء متقاربة ، وهي أهم القوى العقلية ؛ إذ بواسطتها نكتسب جميع معارفنا ، وأول درجة منها هي مقابلة شيء بشيء ، وهذه المقابلة متى اشتدت وطالت مدة الاشتغال بها سميت بالتأمل ، وتسلسل الأحكام المرتبطة ، ببعضها يسمى تعقلا ، والعقل الذي هو أصل للصفات النفسانية وكمال الذهن ليس إلا القوة الحاكمة التي بها نقتدر على تمييز الخير من الشر من أفعالنا ، ومن المعلوم أن الحكم المستقيم وهو ما لا يكون إلا بمقابلات ونسب محققة الوجدان فيما بين الأشياء المحكوم عليها أمر مهم جدا ، فإذا حكمنا على جوهر سام بالجودة فقد سعينا بالمخاطرة في إتلاف الحياة ، فإذا يكون هذا الحكم الفاسد الصادر منا ضار بنا وقس على هذا كل ما كان من الأحكام من هذا القبيل ، فأغلب المصائب التي تؤذي الإنسان إيذاء نفسانيا إنما هو صادر من الخطأ في الحكم ، والظاهر أن اشتداده يضر باستقامة الحكم ؛ ولذلك لا ينتظم أمر هذه القوة إلا بالتقدم في السن ، ثم إن الله تعالى قد يمنح أشخاصا نعمة جزيلة فيدركون نسبا لا يدركها غيرهم ، فإن كانت هذه النسب مهمة جدا نافعة لمعشر الأمم ، كانت الأشخاص المدركة لها أصحاب قريحة وحذق ، وإن كانت أقل نفعا وأهمية ، فالأشخاص المدركون لها أصحاب عقول واختراع ، ولم يعلم من تشريح المخ مجلس هذه القوة الخاص بها ، لكن قد قيل من زمن قديم إن مجلسها النصفان الكرويان للمخ ، إلا أنه لم يوجد إلى الآن ما يعضد هذا.
«المبحث السادس في الاشتياقات» :
المعنى العام لهذه اللفظة هو حس جبلي خرج بالكلية عن حده وتسلطن بالكلية على غيره من الإحساسات الباطنة حتى صار الشخص المشتد شوقه لا يبصر ولا يسمع ولا يعيش إلا بالأمر المشتاق إليه المستهام به ، وقوته الحاكمة لا ترشد إلا إليه ، وقد شوهد في الإنسان اشتياقات مشتركة بينه وبين بقية الحيوانات وهي ما تكون ناشئة عن الاحتياجات العضوية المفرطة ، واشتياقات أخر لا تظهر إلا بالمعاشرة ، فالأولى متنوعة إلى ما تكون لحفظ
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
