طاهرة من الحيض أكثر من عشرة أيام ، وأخرى لم ينقطع عنها أبدا ، فهي مستحاضة دائما ، ومع ذلك صحتها جيدة ، نهايته أنها نحيفة ذات حساسة شديدة. وتشاهد هذه الأدوار كثيرة على الخصوص في البلاد الحارة في النساء العصبيات بدون أن يغير ذلك صحتهن ، وفي زمن اليأس تتبدل النحافة التي تصاحبهنّ غالبا بالسمن ، فكأن النزيف الذي كانت الرحم تقذفه يرجع كله بالمنفعة على النية ، وبعض النساء يكون دورهن اثنين وثلاثين يوما أو خمسا وثلاثين أو أربعين بل شهرين أو ثلاثة مع كون ثقل الحيض فيهن كغيرهن من العالم ، وذلك يشاهد في نساء الأقاليم الباردة جدّا وربما شوهد ذلك بالندرة في بعض النساء الساكنات في الأقاليم الحارة ، وزعم بعضهم أن جميع النساء تحيض في الخمسة عشر الأول من الشهر ، فبعضهن من الأول إلى الثامن ، والباقي من الثامن إلى الخامس عشر ، مع أن المشاهدات تبطل ذلك ، فقد شاهدنا من تحيض في آخر الشهر كأوله في جميع أشهر السنة ، فالحق أن ليس لذلك ضابط ثابت ، وأما أسباب الطمث فاختلفت فيها آراء الحكماء قديما وحديثا ، فبعضهم قال موافقة ل «أرسطاطاليس» و «جالينوس» : إن الحيض ناشئ من امتلاء عام أو موضعي وزيادة وافرة في الدم ، وقال بعضهم : إنه ناشئ من كون دم الرحم محتويا على مقدار كبير ومن عنصرين هما الكربون والأزوت ، ونسبه آخرون الضعف نسبيّ في جدران الأوردة الرحمية ، والآراء في ذلك كثيرة محشوة بكلمات لا طائل تحتها ولا تجدي نفعا ، وذلك كمثل مسألتنا التي نحن بصددها ، فإن مثل تلك الافتراضات تزيد في عسر تلك المسألة ولا تحلها ، وكما لم يعرف جيدا سببه العام لم يوضح جيدا أيضا سبب مجيئه أدوارا ف «أرسطاطاليس» ومن تبعه نسبوا ذلك لتأثير القمر واشتهر ذلك في القبائل وكلام الشعراء ، وتبعهم على ذلك جملة من الحكماء ، لكن يضعف ذلك أن المرأة الواحدة قد تحيض في الأوجه المخالفة لدورة القمر في مدّة سنين بل في سنة واحدة ، وبالجملة فإيضاح ذلك يستدعي بحثا جديدا ، وقد أولع جميع الفلاسفة قديما وحديثا أيضا بالبحث عن الأسباب الغائبة ـ أي عن غاية الحيض وثمرته ـ فكانت النتيجة قليلة الجدوى ؛ لأن قولهم : إن هذه الوظيفة تعرض الرحم للحبل ، وتحفظ فيه تلك الخاصية ، وتتغذى منه البذرة إذا انقطع في مدّة الحمل وتنمو بدون أن تضعف المرأة. لا يدل على شيء ، وإنما من المعلوم أن العلوق لا يحصل غالبا قبل ظهور الحيض الأول ولا بعد سن اليأس ، لكن لا يعرف سبب ذلك ، فالحيض علامة للحبل في الغالب لا سبب له ، فليست غيبوبة الحيض هي التي تنتج العقم ، وإنما النساء اللاتي لم يحضن يكن في الغالب عقيمات ؛ لأنه في كلا الحالين فقد شيء مما يتعلق بأعضاء تناسلهنّ ، فالطمث ودوريته وأسبابه بإذن وأمر الحكيم الخبير المدبر القادر البصير.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
