إما أن تكون موصولة ، وإما أن تكون مصدرية ، فإن كانت موصولة ، فالمعنى أنه يعلم ما تحمله من الولد أنه من أيّ الأقسام أهو ذكر أم أنثى وتام أو ناقص وحسن أو قبيح وطويل أو قصير وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة فيه. ثم قال : (وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ) [الرّعد : الآية ٨]. والغيض هو النقصان سواء كان لازما أو متعدّيا ، يقال : غاض الماء غيضا وغضته أنا. ومنه قوله تعالى : (وَغِيضَ الْماءُ) [هود : الآية ٤٤]. والمراد من الآية : وما تغيضه الأرحام. إلا أنه حذف الضمير ، وقوله : (وَما تَزْدادُ) [الرّعد : الآية ٨]. أي تأخذه زيادة ، تقول : أخذت حقي منه وازددت منه كذا. ومنه قوله تعالى : (وَازْدَادُوا تِسْعاً) [الكهف : الآية ٢٥]. ثم اختلفوا فيما تغيضه الرحم وتزداده على وجوه :
(الأوّل) : عدد الولد ، فإن الرحم قد تشتمل على واحد واثنين وعلى ثلاثة وأربعة ، يروى أن شريكا كان رابع أربعة في بطن أمه كما سيأتي في المشاهدات. (الثاني) : الولد قد يكون مخدجا ، أي ناقصا ، وقد يكون تامّا ، وقد تقدّم الكلام عليه في الخنثى. (الثالث) : مدّة ولادته قد تكون تسعة أشهر أو أزيد أو أقل كما تقدّم أيضا. (الرابع) : دم الطمث والاستحاضة ودم النفاس ، وسيأتي ذلك مفصلا بعد علامات الحمل ، هذا كله إذا قلنا كلمة ما موصولة ، وأما إذا قلنا : إنها مصدرية. فالمعنى أنه تعالى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها لا يخفى عليه شيء من ذلك ولا من أوقاته وأحواله. وأما قوله تعالى : (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ) [الرّعد : الآية ٨]. فمعناه بقدر وحدّ لا يجاوزه ولا ينقص عنه ، كقوله تعالى : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) (٤٩) [القمر : الآية ٤٩]. وقوله تعالى في أوّل سورة الفرقان : (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) [الفرقان : الآية ٢].
(واعلم) أن قوله : (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ) [الرّعد : الآية ٨]. يحتمل أن يكون المراد من العندية العلم ، ومعناه أنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على الوجه المفصل المبين ، ومتى كان الأمر كذلك امتنع وقوع التغير في تلك المعلومات ، ويحتمل أن يكون المراد من العندية أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية ، وعند الحكماء أنه تعالى وضع أشياء كلية وأودع فيها قوى وخواص ، وحركها بحيث يلزم من حركاتها المقدّرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات مخصوصة مقدّرة ، ويدخل في هذه الآية أفعال العباد كلها ؛ خيرها وشرها ، وأحوالهم وخواطرهم ، وهو من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة.
(وهاهنا مسألتان) في زيادة الأرحام وفي غيضها من الأنزفة :
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
