جميع الأعضاء كأنها أعظم الأسباب الرئيسة للموت في هذا السن الذي هو من أطوار الحياة ثم إن الموت في الهرم يحصل بفساد الأعضاء على التدريج لكونها لا تقدر على تتميم وظائفها تتميما تامّا ، ثم تعجز عنها بالكلية ، وقد قيل : إن من أقرب أسباب الموت للعقل تعظم الغضاريف الضلعية ، وتناقص المجموع الشعر الدوري الرئوي ، وذبول المجموع العصبي وتيبسه وغير ذلك ، لكن هذه الأمور ليست إلا ظاهرية ، والحق أن سبب ذلك غير معروف ، والنزع هو العلامة الأخيرة الفاصلة بين الحياة والموت ، ويظهر من تغييرات القوى العقلية ، وزوال الوظائف الجسمية ، فتفقد أعضاء الحواس حسها ، فيزول الذوق والشم ، وتظلم العينان ، وتذبل القرنية الشفافة ، ويخمد الصوت ، ويثقل السمع ويقف الدم في المجموع الشعري للأطراف ، وتزول حرارتها ، ثم تقف دوريته شيئا فشيئا في الفروع والجذوع ، ولا يتم التنفس إلا بعد مدة مستطيلة ، ويتعسر شيئا فشيئا ، ويحتقن القلب بالدم ، وتنقبض الأذن اليمنى للقلب انقباضاتها الأخيرة ، فتزول حياة الإنسان ، ويعود كما كان لا يعرف نفسه ، وأما علامات الموت فهي السحنة الرمية ، وزوال اللون من الجلد الحقيقي ، ومن أوائل الأغشية المخاطية ، وبرودة الجسم واسترخاء العينين وذبولهما وظلمة القرنية الشفافة واستتارها بطلاء لزج وعدم حركة الجسم وبطلان الدورة والتنفس ، ثم إن العلامات التي يركن إليها أكثر من غيرها هي جساوة الجسم وتعفنه وأن تصير جميع الأنسجة في الابتداء لينة مسترخية ، ثم تتيبس وهذا التيبس يحصل أولا في الجذع ثم في العنق ثم يسري للأطراف العليا والسفلى ، وزمن حصول هذا التيبس يختلف كزمن حصول البرودة على حسب اختلاف نوع الموت ففي الموت الفجائي ، كالموت باختناق الصدر يتباطأ ظهوره ، فإذا أخذ التيبس في الظهور صارت العضلات غير قابلة لانتشار السيال العصبي النوراني ، ومتى عدمت جميع ظواهر التعفن كتصاعد الغازات ، وخروج أكثر ما كان سيلانه من السوائل القبيحة النتنة من الجسم لم يبق منه إلا أجزاء ترابية مشربة بعصارات شحمية ، فإذا جاء دور العظام انتهت بتحليل تركيبها ، وتسقط ترابا والعناصر التي كانت مكونة للجسم تخرج عن اتحاداتها التي كانت عليها مدة سلطنة الحياة وينتهي حاله.
«المقالة السادسة عشرة»
في قوله تعالى : (اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ) (٨) [الرّعد : الآية ٨].
اعلم أن ما في قوله : (ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ) [الرّعد : الآية ٨].
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
