و «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» واختلفوا في سبب نزول هذه الآية.
فروي عن قتادة أنه كان في أهل الجاهلية بغي وطاعة الشيطان ، فكان الحي إذا كان فيهم عدة ومنعة ، فقتل عبد قوم آخرين عبدا لهم قالوا : لا نقتل به إلا حرّا ، اعتزازا بأنفسهم على غيرهم ، وإن قتلت لهم امرأة ، قالوا : لا نقتل بها إلا رجلا ، فأنزل الله هذه الآية. يخبره أن العبد بالعبد ، والأنثى بالأنثى ، فنهاهم عن البغي. ثم أنزل الله تعالى ذكره في سورة المائدة بعد ذلك (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ) [المائدة : ٤٥] وروي مثل ذلك عن الشعبي وجماعة من التابعين.
وروي عن السدي أنه قال في هذه الآية : اقتتل أهل ملتين من العرب أحدهما مسلم ، والآخر معاهد في بعض ما يكون بين العرب من الأمر ، فأصلح بينهم النبيّ صلىاللهعليهوسلم وقد كانوا قتلوا الأحرار والعبيد والنساء ، على أن يؤدي الحر دية الحر ، والعبد دية العبد ، والأنثى دية الأنثى. فقاصهم بعضهم من بعض.
ويكون معنى الآية على الأول : يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم أن تقتصوا للقتيل من قاتله ، ولا يبغينّ بعضكم على بعض. فإذا قتل الحرّ الحرّ فاقتلوه فقط ، وإذا قتل العبد العبد فاقتلوه به. وإذا قتلت الأنثى الأنثى فاقتلوها بها : مثلا بمثل. ودعوا الظلم الذي كان بينكم ، فلا تقتلوا بالحر أحرارا ، ولا بالعبد حرا ، ولا بالأنثى رجلا.
فمن ترك له شيء من القصاص إلى الدية. فليحسن الطالب في الطلب : من غير إرهاق ولا تعنيف ، وليحسن المؤدي الأداء من غير مطل ولا تسويف ، ذلك الذي شرعته من العفو إلى الدية تخفيف من ربكم ورحمة.
وقد كان محرّما على اليهود أخذ الدية ، ولم يكن لأولياء المقتول إلا القصاص ، فمن تجاوز بعد أخذ الدية ؛ وقتل القاتل ، فله عذاب أليم ، أو فمن تجاوز ما شرعته ، وعاد إلى أمر الجاهلية فله عذاب أليم.
فإن قيل : إن صدر الآية يوجب القصاص ، وعجزها يجيز العفو عنه إلى الدية. فكيف يجمع بينهما؟ قيل : إن صدر الآية أوجب القصاص والمماثلة إذا أريد قتل القاتل ، ومنع العدوان والظلم. فلا منافاة بين صدرها وعجزها.
وقد اختلف العلماء في نظم الآية وما يفهم منها. وبناء على ذلك اختلفوا فيما يؤخذ منها من الأحكام ، فمن ذلك اختلافهم : أيقتل الحر بالعبد أم لا؟ أو يقتل المسلم بالذمي أم لا؟ فذهبت الحنفية إلى الأول ، والمالكية والشافعية والحنابلة إلى الثاني ، ونحن سنشير هنا إلى الأساس الذي بني عليه الخلاف.
الأساس الذي بني عليه الخلاف هو : أصدر الآية كلام مكتف بنفسه؟ أم هو غير
