تكلموا في كل واحد منها ، فإنّ الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه يحتجّ به لما عرف في موضعه.
وهذا الذي ذهب إليه الحنفية قال به الأوزاعي والثوري وجماعة ، وهو رواية عن أحمد رحمهالله.
وذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية أخرى إلى أنّ اللعان يصحّ من كلّ زوجين ، سواء أكانا مسلمين أم كافرين ، عدلين أم فاسقين ، محدودين في قذف أم غير محدودين ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وربيعة وسليمان بن يسار. وحجتهم في ذلك عموم قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ) قالوا : وقد سمّى رسول الله صلىاللهعليهوسلم اللعان يمينا ، فإنّه لما علم أن امرأة هلال بن أمية جاءت بولدها شبيها بشريك بن سحماء قال فيها : «لو لا الأيمان لكان لي ولها شأن» رواه أبو داود بإسناد لا بأس به (١). يريد صلىاللهعليهوسلم بالأيمان ما سبق من لعانها. فقد سمّى كلمات اللعان أيمانا ، فلا يشترط في المتلاعنين إلا ما يشترط في أهل الأيمان.
وقالوا أيضا : إنّ حاجة الزوج الذي تصحّ منه الشهادة إلى اللعان ونفي الولد كحاجة من تصحّ شهادته سواء ، والأمر الذي نزل به مما يدعو إلى اللعان ، كالذي ينزل بالعدل الحر ، وليس من محاسن الشريعة أن ترفع ضرر أحد النوعين وتجعل له فرجا ومخرجا مما نزل به ، وتدع النوع الآخر في الآصار والأغلال لا مخرج مما نزل به ولا فرج.
وأما الاستثناء في قوله تعالى : (إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) فقد علمت ما فيه من الاحتمالات.
وكذلك علمت ما في حديث عمرو بن شعيب ، فلم يبق إلا الكلام في ألفاظ اللعان : أهي شهادة أم يمين ، فالحنفية وموافقوهم غلّبوا فيها جانب الشهادة ، فشرطوا في المتلاعنين أهلية الشهادة.
والشافعية وموافقوهم غلّبوا فيها معنى اليمين ، فلم يشترطوا في المتلاعنين إلا أن يكونا ممن تصح أيمانهم.
ظاهر قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ) الآية يقتضي أنّ الزوج إذا قذف امرأته بعد الطلاق أنه لا لعان بينهما ، لأنها حينئذ ليست زوجة ، وبهذا الظاهر قال عثمان البتي (٢).
وقال أبو حنيفة والشافعي : إذا وقع القذف في عدّة طلاق رجعي جرى بينهما اللعان ، لأنّ المطلقة طلاقا رجعيا في حكم الزوجة ما دامت في العدة. وقال مالك
__________________
(١) انظر سنن أبي داود (٢ / ٢٥٣) ، كتاب الطلاق ، باب اللعان حديث رقم (٢٢٥٤).
(٢) عثمان البتي ، فقيه البصرة ، أبو عمرو ، بيّاع البتوت (الأكسية الغليظة) اسم أبيه مسلم وقيل أسلم وقيل سليمان وأصله من الكوفة ، انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (٦ / ٣٦٤) ترجمة (٨٩١).
