فإن قيل : في هذه الآية نهي عن نكاح المشركات بسبب وهو دعاء أهل الشرك إلى النار ، وهذه العلّة تعمّ الكتابيات وغيرهن ، فكيف أبيح للمسلمين نكاح الكتابيات والعلّة قائمة؟ قيل : يحتمل أن يكون قوله : (أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) راجعا إلى قوله : (وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ) لا إلى قوله : قوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ) ؛ لأن أولئك كناية عن الرجال دون النساء. ولا يجوز تزويج المسلمة من مشرك ولا كتابيّ.
قوله عزوجل : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً ؛) قال ابن عباس : (نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يقال له : أبو الدّحداحة ، أتى إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : كيف نصنع بالنّساء إذا حضن ؛ هل نقربهنّ أو لا؟ فنزلت هذه الآية) (١). فلما نزلت هذه الآية عمد المسلمون إلى النساء الحيّض فأخرجوهن من لبيوت كما كانت الأعاجم تفعل بنسائهم إذا حضن ، وإذا فرغن واغتسلن ردّوهن إلى البيوت ، فقدم ناس من الأعراب المدينة ، فشكوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم عزل النساء عنهم ، وقالوا : يا رسول الله ، إنّ البرد شديد والثياب قليلة وقد عزلنا النساء ، فإن آثرناهنّ بالثياب هلك أهل البيت بردا ، وإذا آثرنا أهل البيت هلك النساء الحيّض ، وليس كلنا يجد وسعة فيوسع عليهم جميعا ، فقال صلىاللهعليهوسلم : [إنّما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن ، ولم تؤمروا أن تخرجوهنّ من البيوت] وقرأ عليهم الآية (٢).
__________________
٢. وأيضا ؛ فيمتنع أن تكون هذه الآية من سورة (البقرة) ناسخة للآية التي في سورة (المائدة) ؛ لأن (البقرة) من أول ما نزل بالمدينة ، (والمائدة) من آخر ما نزل. وإنما الآخر ينسخ الأول.
٣. وأما حديث ابن عمر ، فلا حجة فيه ؛ لأن ابن عمر رحمهالله كان رجلا متوقفا ، فلما سمع الآيتين ، في واحدة التحليل ، وفي الأخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقف ، ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ ، وإنما تؤوّل عليه ، وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل».
٤. في الدر المنثور : ج ١ ص ٦١٩ ؛ قال السيوطي : «وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) قال : الذي سأل عن ذلك ثابت بن الدحداح». وقال : «وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان : ... وذكره».
(١) أبو الدحداحة : هو ثابت بن الدحداح ، ويقال : ابن الدحداحة بن نعيم ، يكنى : أبا الدحداح. مات سنة ست من الهجرة. الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر : ج ٢ ص ٢٧٨ : الترجمة (٢٥٤).
(٢) أخرجه مسلم في الصحيح : كتاب الحيض : باب جاز غسل المرأة الحائض رأس زوجها :
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
