وقوله (حَكِيمٌ) أي محكم في الفعل ، حكيم في أمره. ويقال : عالم ذو حكمة فيما شرع لكم من دينه. وقال ابن حبان (١) : (معنى : فإن زللتم ؛ أي أخطأتم). وقال السديّ : (فإن ضللتم). وقال ابن عباس : (يعني الشّرك).
وقرأ أبو السمّال العدوي : (فإن زللتم) بكسر اللّام ، وفي هذه الآية تشبيه العصيان بزلّة القدم.
قوله عزوجل : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ) ؛ افترق الناس في تفسير هذه الآية على أربعة أقوال ؛ فرقة منهم يتأولونها على ظاهرها ويصفون الله بالإيتاء الذي هو زوال من مكان إلى مكان. وهذا القول غير مرض تعالى الله عنه. وفرقة يفسرون الإتيان تفسيرا مجملا لا يعدون ظاهر اللفظ ، يقولون : يأتي كيف شاء بلا كيف. وهذا غير مرض أيضا.
وأما الفرقتان الأخريان من أهل السّنّة والجماعة ؛ فإحداهما لا يفسّرون هذه الآية ويقولون : نؤمن بظاهرها ونسكت عن الخوض في معناها ؛ لما فيه من الاشتباه والتشبيه. وقال الكلبيّ : (هذا من المكتوم الّذي لا يفسّر). وقال ابن عباس : (نؤمن بها ولا نفسّرها كما قال تعالى في المتشابهات : (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ)(٢)).
وأمّا الفرقة الرابعة فيفسرونها ويردّون مثل هذه المتشابهات إلى الآيات المحكمات ويقولون : معناها ما ينظر الكفار بعد قيام الحجة عليهم ، إلا أن يأتيهم أمر الله وهو الحساب ، أو أن يأتيهم عذاب الله ؛ لأنّ الإتيان لفظ مشتبه يحتمل حقيقة الإتيان ويحتمل إتيان الأمر ، وقد قامت الدلالة على أنّ الله تعالى لا يجوز عليه الإتيان والمجيء والانتقال والمزاولة ؛ لأنّ ذلك من صفات الأجسام والمحدثين ، والله تعالى منزّه عن ذلك ، قال عليّ رضي الله عنه : (من زعم أنّ الله في شيء أو من شيء أو على شيء فقد ألحد ؛ لأنّه لو كان من شيء لكان محدثا ؛ ولو كان في شيء لكان محصورا ؛ ولو كان على شيء لكان محمولا). وإذا كان لفظ الإتيان مشتبها وجب ردّه إلى المحكم
__________________
(١) الإمام الحافظ محمّد بن حبان ، صاحب الصحيح (٢٧٠ ـ ٣٥٤) من الهجرة.
(٢) آل عمران / ٧.
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
