قوله سبحانه وتعالى : (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ ؛) أي ما تفعلوا من أسباب الحجّ وترك الرّفث والفسوق والجدال يعلمه الله ؛ أي يقبله منكم فيجزيكم عليه ، والله تعالى عالم من دون أن يفعلوا ، ولكن المراد به يعلمه الله مفعولا ؛ وكان من قبله يعلمه غير مفعول. وأراد الله بهذا الحثّ على فعل الخير ودلّ به على العدل ؛ إذ بيّن أنه لا يجازي العبد على ما يعلمه منه ، وإنّما يجازيه على ما يقع منه.
قوله عزوجل : (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ؛) أي تزوّدوا في سفر الحجّ والعمرة ما تكفّون به وجوهكم عن المسألة. نزلت في قوم كانوا يخرجون بأهاليهم بغير زاد ويتّكلون على الناس ؛ ويسمّون أنفسهم المتوكّلة ، يقولون : نحجّ بيت ربنا والله رازقنا. وقيل : نزلت في قوم يتركون أزوادهم ويصيبون في حجّهم من أهل الطريق ظلما ؛ فبيّن الله تعالى أن الزاد هو أن تتّقوا ما لا يحلّ ، لا أن تلقوا أزوادكم وتصيروا كلّا على الناس.
ويقال : في الآية تقديم وتأخير ؛ تقديره : وتزوّدوا من الطاعات ، (وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ) (١٩٧) ، (فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى) ولا يمتنع أن يكون المراد به زاد الدّنيا وزاد الآخرة. كأنّ الله خصّ على الزّادين جميعا وأمر بالتزوّد لسفر الدّنيا بالطعام ولسفر الآخرة بالتّقوى ؛ فإن النجاة من هلكات سفر الدّنيا بالزاد ، ومن سفر الآخرة بالعمل الصالح. قال الشاعر :
|
إذ أنت لم ترحل بزاد من التّقى |
|
ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا |
|
ندمت على أن لا تكون كمثله |
|
وأنّك لم ترصد كما كان أرصدا |
واختلف العلماء في جواز الإحرام بالحجّ قبل أشهر الحج ؛ فروي عن ابن عبّاس وجابر وعطاء ومجاهد وعكرمة أنّهم قالوا : (لا يحرم الرّجل بالحجّ قبل أشهر الحجّ). وقال عطاء : (من فعل ذلك فيجعلها عمرة). وقال الشافعيّ : (تكون عمرة).
وعن إبراهيم النخعيّ : (جواز الإحرام بالحجّ قبل أشهر الحجّ) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ؛ ومالك والليث ؛ والثوري. وحجّتهم : قوله عزوجل : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ.) وهذا عموم في كون الأهلّة كلها وقتا
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
