واختلفوا في هذه الأشهر ؛ فقال ابن عباس وأكثر المفسّرين : (إنّها شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجّة). وأما من قال : إنّها شوال وذو القعدة وذو الحجة ، فليس باختلاف لأن المراد بعض ذي الحجة ؛ لأن الحجّ كله لا محالة في بعض هذه الأشهر لا في جميعها. ويجوز إضافته إلى جميع هذه الأشهر وإن كان هو في بعضها ؛ ألا ترى إنك تقول : لقيت فلانا سنة كذا ، وقمت يوم كذا ؛ بمعنى بعض المدة.
قوله تعالى : (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ؛) أي من أوجب فيهنّ الحجّ بالتلبية أو ما يقوم مقامها من ذكر أو سوق الهدي فلا يرفث ولا يفسق ، وهذا لفظ خبر بمعنى النهي ؛ كما أنّ قوله : (يَتَرَبَّصْنَ)(١) و (يُرْضِعْنَ)(٢) خبران لفظا ؛ وأمران معنى.
والرّفث : قال ابن عبّاس : (هو مراجعة النّساء بذكر الجماع). والفسوق : قال ابن عمر : (هو ما نهى الله عنه في الإحرام). واختار بعضهم هذا القول ؛ وقالوا : لو كان المراد به جميع المعاصي لكان لا يخصّ بالنهي عنها حالة الإحرام.
وقال ابن عبّاس وجماعة من المفسّرين : (المراد بها جميع المعاصي). وفائدة تخصيص حالته هذه بالنهي فهو تعظيم حرمة هذه العبادة ؛ كما يقال : لا تغتب في صومك ؛ وكما قال صلىاللهعليهوسلم : [إذا كان يوم صوم أحدكم ؛ فلا يرفث ؛ ولا يجهل ، وإن جهل عليه فليقل : إنّي صائم](٣).
قوله تعالى : (وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ) قال بعضهم : الجدال : أن تجادل صاحبك حتى تغضبه أو يغضبك. وقيل : كانت قريش تقف بالمزدلفة ؛ وكانت اليمن وربيعة تقف بعرفة خارج الحرم ؛ وكان كلّ فريق منهم يجادل صاحبه في الموقف ؛ فنزلت هذه الآية.
__________________
(١) البقرة / ٢٢٨.
(٢) البقرة / ٢٣٣.
(٣) أخرجه البخاري في الصحيح : كتاب الصوم : باب هل يقول إني صائم : (١٩٠٤). ومسلم في الصحيح : كتاب الصوم : باب فضل الصيام : الحديث (١٦٣ / ١١٥١).
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
