ومعنى الآية : (وَعَلَى الَّذِينَ) يطيقون الصوم فلم يصوموا (فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ) وذلك أنه كان يرخص في الصوم الأول لمن يطيق الصوم أن يفطر ويتصدق مكان كلّ يوم على مسكين ؛ ثم نسخ بقوله : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)(١).
قوله عزوجل : (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ؛) قرأ يحيى بن وثّاب وحمزة والكسائيّ : (يطّوّع) بالياء وتشديد الطاء وجزم العين على معنى يتطوّع. وقرأ الآخرون بالتاء وفتح العين وتخفيف الطاء على الفعل الماضي. ومعنى الآية : فمن يتطوّع خيرا ؛ أي زاد على طعام مسكين واحد فهو خير له ؛ (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ؛) من أن تطعموا وتفطروا ، (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١٨٤) ؛ ثواب الله في الصوم.
واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها ؛ فقال قوم : كان ذلك في أوّل ما فرض الله الصوم ، وذلك أن الله عزوجل لمّا نزّل فرض صيام شهر رمضان على رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأمر أصحابه بذلك ، شقّ عليهم الصوم ؛ وكانوا قوما لم يتعوّدوا الصوم ؛ فخيّرهم الله تعالى بين الصيام والإطعام ؛ فكان من شاء صام ، ومن شاء أفطر وافتدى بالطعام. ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) ونزلت العزيمة في إيجاب الصّوم. وعلى هذا القول معاذ بن جبل وأنس بن مالك وسلمة بن الأكوع وابن عمر وعلقمة وعكرمة والشعبي والزهري وإبراهيم والضّحاك. وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس (٢).
وقال آخرون : بل هذا خاصّ للشّيخ الكبير والعجوزة الكبيرة اللذين يطيقان الصّوم ولكن يشقّ عليهما ؛ رخص لهما إن شاءا أفطرا مع القدرة ويطعما لكلّ يوم مسكينا ؛ ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وثبتت الرخصة للذين لا يطيقونه. وهذا قول الربيع بن أنس ورواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس ، قال الحسن : (هذا في المريض ، كان إذا وقع عليه اسم المرض وكان يستطيع
__________________
(١) البقرة / ١٨٥.
(٢) نقل جميع هذه الروايات وأخرجها الطبري في جامع البيان : النصوص (٢٢٤٦ ـ ٢٢٥٩).
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
