يتعلق ببلغ أو بالسعي أو بمحذوف فلا يصح تعلقه ببلغ لاقتضائه بلوغهما معا حد السعي. ولا بالسعي لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه فبقي أن يكون بيانا كأنه لما قال فلما بلغ السعي قيل مع من؟ فقال مع أبيه. ورؤيا الأنبياء حق ووحي .. وقال المصحف المفسر : الرؤيا التي رآها إبراهيم تتعلق بابنه اسماعيل فهو الملقب بالذبيح .. وقال بعضهم : بل الرؤيا تتعلق بابنه إسحاق. والقول الأول أرجح وعليه جمهور المسلمين. و «الفعل» في الآية الكريمة المذكورة في «فانظر ما ذا ترى» جاء هنا من الرأي على وجه المشاورة وقرئ ما ذا ترى؟ أي ما ذا تبصر من رأيك وما تبديه وما ذا ترى ـ على البناء للمفعول أي ما ذا تريك نفسك من الرأي. قال الشاعر :
|
إن الفقير وإن أفاد غنى |
|
لترى عليه مخايل الفقر |
وهي جمع «مخيلة» بفتح الميم بمعنى : مظنة ـ بفتح الميم وكسر الظاء مع تشديد النون : أي موضع وقال الشاعر زهير بن أبي سلمى :
|
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب |
|
تمته ومن تخطي يعمر فيهرم |
|
ومن لم يصانع في أمور كثيرة |
|
يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم |
يقول الشاعر : رأيت المنايا تصيب الناس على غير نسق وترتيب وبصيرة .. كما أن هذه الناقة تطأ على غير بصيرة .. ثم قال : من أصابته المنايا أهلكته ومن أخطأته أبقته فبلغ الهرم. و «العشواء» تأنيث «الأعشى» وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار وسميت الناقة عشواء لأنها لا تبصر ليلا .. والخبط : هو الضرب باليد .. ومنه المثل : يخبط خبط عشواء .. بمعنى قد ركب رأسه في الضلالة ولا يهتم لعاقبته كالناقة التي لا تبصر ليلا فتخبط بيديها على عمى.
** (فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) : هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الثالثة بعد المائة .. المعنى : فلما استسلما لأمر الله أي انقادا وخضعا أو بمعنى : أسلم هذا ابنه وهذا نفسه .. وتله للجبين معناه : صرعه على وجهه ليذبحه أي حول وجهه للقبلة .. وهو كالقول : كبه لوجهه ومنه الفعل «تلتل» نحو : تلتله : أي زعزعه وأقلعه وزلزله. وتله ـ يتله ـ تلا .. من باب «قتل» أي صرعه.
** (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) : هذا القول الكريم هو نص الآية الكريمة الخامسة بعد المائة .. المعنى : قد حققت يا إبراهيم ما طلب منك في الرؤيا لعزمك على التنفيذ وعده سبحانه مصدقا بمجرد عزمه على ذلك وإن لم يتم ذبحه. يقال : رأى الرجل في منامه رؤيا .. بدون تنوين الألف لأنها على وزن «فعلى» وينون آخر جمعها «رؤى» ويقال : فلان مني بمرأى ومسمع : أي حيث أراه وأسمع قوله. و «الرؤيا» بالألف : هي ما يرى في المنام أما «الرؤية» فهي النظر بالعين أو بالقلب وجمعها : رؤى أيضا. وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت : أول ما بدئ به رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح : أي مثل ضيائه ثم حبب إليه الخلاء «أي الخلوة» وكان يخلو بغار «حراء» وهو جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال على يسار المسافر من مكة إلى «منى» يحكى أن رجلا أهوى برمحه حتى جعله بين عيني امرأة وهي نائمة فاستيقظت فلما رأته فزعت وأغمضت عينيها وقالت : كن حلما كنه. أي ليكن حلما من الأحلام ولا يتحقق. قال الشاعر :
|
وإني لاهوى النوم في غير حينه |
|
لعل خيالا في المنام يكون |
|
تحدثني الأحلام أنى أراكم |
|
فيا ليت أحلام المنام يقين |
![إعراب القرآن الكريم لغةً وإعجازاً وبلاغة تفسيراً بالإيجاز [ ج ٨ ] إعراب القرآن الكريم لغةً وإعجازاً وبلاغة تفسيراً بالإيجاز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4042_irab-alquran-alkarim-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
