(٢٠٩) وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧))
(ما) أي : أيّ شيء (أَغْنى عَنْهُمْ) أي : فيما أخذهم من العذاب (ما كانُوا يُمَتَّعُونَ) برفع العذاب أو تخفيفه ، أي : لم يغن عنهم طول التمتع شيئا ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط ، وعن ميمون بن مهران : أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال له عظني فلم يزد على تلاوة هذه الآية ، فقال له ميمون لقد وعظت فأبلغت.
(وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ) أي : من القرى السالفة بعذاب الاستئصال (إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ) أي :
رسولهم ومن تبعه من أمّته ومن سمعوا من الرسل بأخبارهم مع أممهم من قبلهم ، ثم علل الإنذار بقوله تعالى : (ذِكْرى) أي : تنبيها عظيما على ما فيه النجاة ، أو جعل المنذرين نفس الذكرى ، كما قال تعالى (قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً) [الطلاق : ١٠ ـ ١١] وذلك إشارة إلى إمعانهم في التذكير حتى صاروا إياه (وَما كُنَّا ظالِمِينَ) أي : في إهلاك شيء منها لأنهم كفروا نعمتنا وعبدوا غيرنا بعد الإعذار إليهم ومتابعة الحجج ومواصلة الوعيد.
تنبيه : الواو في قوله : (وَما كُنَّا) واو الحال من نون أهلكنا فإن قيل : كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ولم تعزل عنها في قوله تعالى : (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ)؟ [الحجر : ٤] أجيب : بأنّ الأصل عزل الواو لأنّ الجملة صفة لقرية وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف كما في قوله تعالى : (سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) [الكهف : ٢٢].
ولما كان الكفرة يقولون إنّ محمدا كاهن وما يتنزل عليه من جنس ما تتنزل به الشياطين ، أكذبهم الله سبحانه وتعالى بقوله : (وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ) أي : ليكون سحرا أو كهانة أو شعرا أو أضغاث أحلام كما يقولون.
(وَما يَنْبَغِي) أي : وما يصح (لَهُمْ) أن يتنزلوا به (وَما يَسْتَطِيعُونَ) أي : التنزل به وإن اشتدّت معاجلتهم على تقدير : أن يكون لهم قابلية لذلك.
ثم علل هذا بقوله تعالى : (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ) أي : لكلام الملائكة (لَمَعْزُولُونَ) أي : محجوبون بالشهب.
ولما كان القرآن داعيا إلى الله تعالى ناهيا عن عبادة غيره تسبب عن ذلك قوله تعالى : (فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ) أي : الحائز لكمال الصفات (إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ) أي : فيتسبب عن ذلك أن تكون (مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) من القادر على ما يريد بأيسر أمر وأسهله ، وهذا خطاب لنبيه صلىاللهعليهوسلم والمراد غيره لأنه معصوم من ذلك ، قال ابن عباس : يحذر به غيره يقول أنت أكرم الخلق لديّ وأعزهم عليّ ولئن اتخذت إلها غيري لعذبتك فيكون الوعيد أزجر له ويكون هو أقبل.
روى محمد بن إسحاق بسنده عن عليّ رضى الله عنه أنه قال لما نزلت على النبيّ صلىاللهعليهوسلم. (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) دعاني رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال يا عليّ إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
