ولما كان السياق لذم الجدال وكان الجدال إنما يكون عن الكبر قال تعالى : (ادْخُلُوا) أي : أيها المكذبون (أَبْوابَ جَهَنَّمَ) أي : الأبواب السبعة المقسومة لكم قال تعالى : (لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) [الحجر : ٤٤] ، وسميت : جهنم لأنها تلقى صاحبها بتكبر وعبوس وتجهم (خالِدِينَ فِيها) أي : مقدرين الخلود (فَبِئْسَ مَثْوَى) أي : مأوى (الْمُتَكَبِّرِينَ) أي : عن الحق والمخصوص بالذم محذوف أي : مثواكم ، فإن قيل : كان قياس النظم أن يقول : فبئس مدخل المتكبرين كما تقول : زرت بيت الله فنعم المزار وصليت في المسجد فنعم المصلى؟ أجيب : بأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم المثوى فلذلك خصه بالذم وإن كان الدخول أيضا مذموما.
ولما زيف تعالى طريقة المجادلين في آيات الله أمر نبيه صلىاللهعليهوسلم بالصبر بقوله : (فَاصْبِرْ) أي : على أذاهم بسبب المجادلة وغيرها (إِنَّ وَعْدَ اللهِ) أي : الجامع لصفات الكمال (حَقٌ) أي : بنصرتك في الدارين فلا بد من وقوعه (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ) قال الزمخشري : أصله فإن نرك وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ولذلك ألحقت النون بالفعل ألا تراك لا تقول : إن تكرمني أكرمك ولكن إما تكرمني أكرمك ، قال أبو حيان : وما ذكره من تلازم النون وما الزائدة ليس مذهب سيبويه إنما هو مذهب المبرد والزجاج ونص سيبويه على التخيير (بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) به من العذاب في حياتك وجواب الشرط محذوف أي : فذاك (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) أي : قبل تعذيبهم (فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ) أي : فنعذبهم أشد العذاب فالجواب المذكور للمعطوف فقط.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا) أي : بما لنا من العظمة (رُسُلاً) أي : بكثرة (مِنْ قَبْلِكَ) إلى أممهم ليبلغوا عنا ما أمرناهم به (مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا) بما لنا من العظمة (عَلَيْكَ) أي : أخبارهم وأخبار أممهم (وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) لا أخبارهم ولا أخبار أممهم ولا ذكرناهم لك بأسمائهم وإن كان لنا العلم التام والقدرة الكاملة ، روي أن الله تعالى بعث ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس (وَما) أي : أرسلناهم والحال أنه ما (كانَ لِرَسُولٍ) أصلا (أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ) أي : ملجئة أو غير ملجئة مما يطلب الرسول استعجالا لاتباع قومه له أو اقتراحا من قومه عليه (إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي : بأمره وتمكينه فإن له الإحاطة بكل شيء فلا يخرج شيء عن أمره وهم عبيد مربوبون.
تنبيه : معنى الآية أن الله تعالى قال لنبيه محمد صلىاللهعليهوسلم : أنت كالرسل من قبلك وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين وليس منهم أحد أعطاه الله آيات ومعجزات إلا وقد جادله قومه وكذبوه فيها فصبروا وكانوا أبدا يقترحون على أنبيائهم عليهمالسلام إظهار المعجزات الزائدة على الحاجة عنادا وعبثا ، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله تعالى والله سبحانه علم الصلاح في إظهار ما أظهروه دون غيره ولم يقدح ذلك في نبوتهم ، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم يكن إظهارها صلاحا لا جرم ما أظهرناها (فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ) أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلما بنزول العذاب على الكفار (قُضِيَ) أي : بأمره على أيسر وجه وأسهله بين الرسل ومكذبيهم (بِالْحَقِ) الأمر الثابت (وَخَسِرَ هُنالِكَ) أي : في ذلك الوقت العظيم (الْمُبْطِلُونَ) أي : المنسوبون إلى إيثار الباطل على الحق المعاندون الذين يجادلون في آيات الله ، فيقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة تعنتا وعبثا ، وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر ، وسهل ورش وقنبل الهمزة الثانية وأبدلاها أيضا ألفا ، وقرأ الباقون بتحقيق الهمزتين.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
