وقوله تعالى : (إِذْ) يجوز أن يكون بدلا من إذا الأولى كما قاله الزمخشري ، وأن يكون منصوبا باذكر كما قاله أبو البقاء أي : واذكر إذ (قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ) أي : جاعل (بَشَراً مِنْ طِينٍ) هو آدم عليهالسلام ، فإن قيل : كيف صح أن يقول لهم إني خالق بشرا وما عرفوا ما البشر ولا عهدوا به قبل؟ أجيب : بأنه قد يكون قال لهم : إني خالق خلقا من صفته كيت وكيت ولكنه حين حكاه اقتصر على الاسم.
(فَإِذا سَوَّيْتُهُ) أي : أتممت خلقه (وَنَفَخْتُ) أي : أجريت (فِيهِ مِنْ رُوحِي) فصار حيا حساسا متنفسا وإضافة الروح إليه تعالى إضافة تشريف لآدم عليهالسلام والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه يسري في بدن الإنسان سريان الضوء في الفضاء وكسريان النار في الفحم والماء في العود الأخضر (فَقَعُوا) أي : خروا (لَهُ ساجِدِينَ).
(فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ) وقوله تعالى : (كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) فيه تأكيدان ، وقال الزمخشري : كل للإحاطة وأجمعون للاجتماع فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا أنهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات ، انتهى. فإن قيل : كيف ساغ السجود لغير الله؟ أجيب : بأن الممنوع هو السجود لغير الله تعالى على وجه العبادة فأما على وجه التكرمة والتبجيل فلا يأباه العقل إلا أن يكون فيه مفسدة فينهى الله تعالى عنه والأولى في الجواب أنه سجود تحية بالانحناء كما قاله الجلال المحلي.
(إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ) أي : تكبر وتعظم عن السجود ، فإن قيل : كيف استثنى من الملائكة عليهمالسلام إبليس وهو من الجن؟ أجيب : بأنه قد أمر بالسجود معهم فغلبوا عليه في قوله تعالى (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ) ثم استثنى كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلا وقال الجلال المحلي : هو أبو الجن وكان من الملائكة وعلى هذا فلا سؤال (وَكانَ) أي : وصار (مِنَ الْكافِرِينَ) باستكباره عن أمر الله تعالى أو كان من الكافرين في الأزمنة الماضية في علم الله تعالى.
تنبيه : المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر لأن إبليس إنما وقع فيما وقع فيه بسبب الحسد والكبر ، والكفار إنما نازعوا محمدا صلىاللهعليهوسلم بسبب الحسد والكبر فذكر الله تعالى هذه القصة ههنا ليصير سماعها زاجرا عن هاتين الخصلتين المذمومتين.
(قالَ) الله تعالى (يا إِبْلِيسُ) سماه بهذا الاسم لكونه من الإبلاس وهو انقطاع الرجاء إشارة إلى تحتم العقوبة له (ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) وبين ما يوجب طاعته ولو أمر بتعظيم ما لا يعقل بقوله تعالى معبرا بأداة ما لا يعقل عمن كان عند السجود له عاقلا كامل العقل : (لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ) أي : توليت خلقه من غير توسط سبب كأب وأم والتثنية في اليد لما في خلقه من مزيد القدرة ، وقوله تعالى : (أَسْتَكْبَرْتَ) استفهام توبيخ أي : تعظمت بنفسك الآن عن السجود له (أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ) أي : من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود له لكونك منهم.
فأجاب إبليس بقوله : (قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) أي : لو كنت مساويا له في الشرف لكان يقبح أن أسجد له فكيف وأنا خير منه ثم بين كونه خيرا منه بقوله : (خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) والنار أشرف من الطين بدليل أن الأجرام الفلكية أفضل من الأجرام العنصرية ، والنار أقرب العناصر من الفلك والأرض أبعد عنه ، فوجب كون النار أفضل من الأرض ، وأيضا فالنار خليفة الشمس والقمر في إضاءة العالم عند غيبتهما والشمس والقمر أشرف من الأرض فخليفتهما في الإضاءة أفضل من
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
