أي : فلم نرهم حين دخلوها وقال ابن كيسان : أي : أم كانوا خيرا منا ونحن لا نعلم فكانت أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدهم شيئا.
(إِنَّ ذلِكَ) أي : الذي حكيناه عنهم (لَحَقٌ) أي : واجب وقوعه فلا بد أن يتكلموا به ثم بين ذلك الذي حكاه عنهم بقوله تعالى : (تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) أي : في النار وإنما سماه تخاصما لأن قول القادة للأتباع : لا مرحبا بهم ، وقول الأتباع للقادة : بل أنتم لا مرحبا بكم من باب الخصومة.
تنبيه : يصح في تخاصم أوجه من الإعراب أحدها : أنه بدل من لحق ، الثاني : أنه عطف بيان ، الثالث : أنه خبر ثان لأن ، الرابع : أنه خبر مبتدأ مضمر أي : هو تخاصم.
ولما شرح سبحانه نعيم أهل الثواب وعقاب أهل العذاب عاد إلى تقرير التوحيد والنبوة والبعث المذكورات أول السورة بقوله تعالى : (قُلْ) يا أفضل الخلق للمشركين (إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ) أي : مخوف بالنار لمن عصى (وَ) لا بد من الإقرار بأنه (ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللهُ) أي : الجامع لجميع الأسماء الحسنى (الْواحِدُ الْقَهَّارُ) فكونه واحدا يدل على عدم الشريك وكونه قهارا مشعر بالتخويف والترهيب.
ولما ذكر ذلك أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب بقوله تعالى : شأنه : (رَبُّ السَّماواتِ) أي : مبدعها وحافظها على علوها وسعتها وإحكامها بما لها من الزينة والمنافع (وَالْأَرْضِ) أي : على سعتها وضخامتها وكثافتها وما فيها من العجائب (وَما بَيْنَهُمَا) أي : الخافقين من الفضاء والهواء وغيرهما من العناصر والنبات والحيوانات العقلاء وغيرها ربى كل شيء من ذلك إيجادا وإبقاء على ما يريد وإن كره ذلك المربوب فدل ذلك على قهره وتفرده (الْعَزِيزُ) أي : الغالب على أمره (الْغَفَّارُ) فكونه ربا يشعر بالتربية والكرم والإحسان والجود وكونه غفارا يشعر بأن العبد لو أقدم على المعاصي والذنوب ثم تاب إليه فإنه يغفرها برحمته ، وهذا الموصوف بهذه الصفات هو الذي تجب عبادته لأنه هو الذي يخشى عقابه ويرجى ثوابه.
وقوله تعالى : (قُلْ) أي : لهم (هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ) يعود على القرآن وما فيه من القصص والأخبار ، وقيل : تخاصم أهل النار ، وقيل : على ما تقدم من إخباره صلىاللهعليهوسلم بأنه نذير مبين وبأن الله تعالى إله واحد متصف بتلك الصفات الحسنى.
وقوله تعالى : (أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ) صفة لنبأ أي : لتمادي غفلتكم فإن العاقل لا يعرض عن مثله كيف وقد قامت عليه الحجج الواضحة إما على التوحيد فما مر وإما على النبوة ، فقوله تعالى : (ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى) أي : الملائكة فقوله : (بِالْمَلَإِ) متعلق بقوله (مِنْ عِلْمٍ) وضمن معنى الإحاطة فلذلك تعدى بالباء (إِذْ يَخْتَصِمُونَ) أي : في شأن آدم عليهالسلام حين قال الله عزوجل : (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة : ٣٠] الآية ، فإن قيل : الملائكة لا يجوز أن يقال إنهم اختصموا بسبب قولهم : (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) [البقرة : ٣٠] فالمخاصمة مع الله تعالى كفر؟ أجيب : بأنه لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة والمشابهة علة المجاز فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة.
ولما أمر الله تعالى محمدا صلىاللهعليهوسلم أن يذكر هذا الكلام على سبيل الزجر أمره أن يقول :
(إِنْ) أي : ما (يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما) أي : أني (أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) أي : بين الإنذار فأبين لكم ما تأتونه وما تجتنبونه ، وروي أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «رأيت ربي في أحسن صورة ، قال ابن عباس رضي الله
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
