وعمرا مطلقا وأتى بالحال اسما لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئا فشيئا لأن حشرها دفعة واحدة أدل على القدرة والحاشر هو الله تعالى؟ فإن قيل : كيف يصدر تسبيح الله تعالى من الطير مع أنه لا عقل لها؟ أجيب : بأنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولا حتى تعرف الله تعالى فتسبحه حينئذ ويكون ذلك معجزة لداود عليهالسلام (كُلٌ) أي : من الجبال والطير (لَهُ) أي : لداود أي : لأجل تسبيحه (أَوَّابٌ) أي : رجاع إلى طاعته بالتسبيح وقيل : كل مسبح فوضع أواب موضع مسبح وقيل : الضمير في له للباري تبارك وتعالى والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى.
(وَشَدَدْنا) أي : قوينا بما لنا من العظمة (مُلْكَهُ) بالحرس والجنود ، قال ابن عباس : كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل ، وعن ابن عباس : أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم عند داود فقال : إن هذا قد غصبني بقرا فسأله داود فجحد فقال للآخر : البينة فلم تكن له بينة ، فقال لهما داود : قوما حتى أنظر في أمركما فأوحى الله تعالى إلى داود في منامه أن يقتل الذي استعدى عليه ، فقال : هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت ، فأوحى الله تعالى إليه مرة ثانية فلم يفعل فأوحى الله تعالى إليه مرة ثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة فأرسل داود إليه فقال له : إن الله تعالى أوحى إلي أن أقتلك فقال : تقتلني بغير بينة فقال : نعم والله لأنفذن أمر الله تعالى فيك ، فلما عرف الرجل أنه قاتله قال : لا تعجل حتى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت ابن هذا فقتلته فبذلك أخذت ، فأمر به داود فقتل ، فاشتدت هيبة داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل واشتد به ملكه فذلك قوله تعالى : (وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ) أي : بعظمتنا (الْحِكْمَةَ) أي : النبوة والإصابة في الأمور.
واختلف في تفسيره قوله تعالى : (وَفَصْلَ الْخِطابِ) فقال ابن عباس : بيان الكلام أي : معرفة الفرق بين ما يلتبس في كلام المخاطبين له من غير كبير رؤية في ذلك ، وقال ابن مسعود والحسن : علم الحكمة والبصر بالقضاء ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر لأن كلام الخصوم ينقطع وينفصل به ، وقال أبي بن كعب : فصل الخطاب الشهود والإيمان ، وقال مجاهد وعطاء ويروى عن الشعبي : إن فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه ، أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر وأول من قاله داود عليهالسلام ، وقيل غيره كما ذكرته في شرح المنهاج عند قول المنهاج أما بعد ، وقيل : هو الخطاب الفصل الذي ليس باختصار مخل ولا إشباع ممل كما جاء وصف كلام النبي صلىاللهعليهوسلم فصل لا نزر ولا هذر.
وقوله تعالى لنبيه محمد صلىاللهعليهوسلم : (وَهَلْ) استفهام معناه التعجب والتشويق إلى استماع ما بعده (أَتاكَ) يا أفضل الخلق (نَبَأُ) أي : خبر (الْخَصْمِ) وهو في الأصل مصدر ولذلك يصلح للمفرد والمذكر والمراد به هنا الجمع بدليل قوله تعالى (إِذْ) أي : حين (تَسَوَّرُوا) أي : تصعدوا وعلوا (الْمِحْرابَ) أي : البيت الذي كان يدخل فيه داود ويشتغل فيه بالعبادة والطاعة ، قال الزمخشري : فإن قلت : بما انتصب إذ؟ قلت : لا يخلو إما أن ينتصب بأتاك أو بنبأ أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأتاك لأن إتيان النبأ رسول الله صلىاللهعليهوسلم لم يقع إلا في عهده لا في عهد داود ولا بنبأ ؛ لأن النبأ واقع في عهد داود فلا يصح إتيانه رسول الله صلىاللهعليهوسلم وإن أردت بالنبأ القصة في نفسها لم تكن ناصبا ، فبقي أن يكون منصوبا بمحذوف تقديره وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا ، انتهى. فاختار أن يكون معمولا لمحذوف ، ويجوز أن ينتصب بالخصم لما فيه من معنى الفعل.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
