الرؤية مع التقوية على الدهش والضعف لعظيم الأمر وبالتأهيل لهذا المقام الأكرم مع قصورهم عنه.
روى جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب عزوجل قد أشرف عليهم من فوقهم فقال : السلام عليكم يا أهل الجنة فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» (١) ، وقيل : تسلم عليهم الملائكة من ربهم لقوله تعالى (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ) [الرعد : ٢٣ ـ ٢٤] أي : يقولون : سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم وقيل : يعطيهم السلامة الأبدية.
ولما ذكر ما للمؤمنين من النعيم ذكر ما للكافرين من الجحيم بقوله تعالى : (وَامْتازُوا) أي : ويقال للمجرمين امتازوا أي : انفردوا (الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم قال الضحاك : لكل كافر في النار بيت يدخل ذلك البيت فيردم بابه بالنار فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى ، وقيل : إن قوله تعالى (وَامْتازُوا) أمر تكوين فحين يقول (امْتازُوا الْيَوْمَ) فيميزون بسيماهم ويظهر على جباههم وفي وجوههم سواد كما قال تعالى (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ) [الرحمن : ٤١].
ولما أمروا بالامتياز وشخصت منهم الأبصار وكلحت الوجوه وتنكست الرؤوس قال تعالى موبخا لهم : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ) أي : أوصيكم إيصاء عظيما بما نصبت من الأدلة ومنحت من العقول وبعثت من الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزلت من الكتب في بيان الطريق الموصل إلى النجاة.
ولما كان المقصود بهذا الخطاب تقريعهم وتبكيتهم وكانت هذه السورة قلبا وكان القلب أشرف الأعضاء وكان الإنسان أشرف الموجودات خصه بالخطاب بقوله تعالى : (يا بَنِي آدَمَ) أي : على لسان رسلي عليهم الصلاة والسلام ، واختلف في معنى : هذا العهد على وجوه أقواها : ألم أوص إليكم كما مر ، وقيل : آمركم ، وقيل : غير ذلك ، واختلفوا في هذا العهد أيضا على أوجه : أظهرها : أنه مع كل قوم على لسان رسلهم كما مر ، وقيل : هو العهد الذي كان مع آدم في قوله تعالى (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ) [طه : ١١٥] وقيل : هو الذي كان مع ذريته عليهالسلام حين أخرجهم وقال (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) [الأعراف : ١٧٢] (أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ) أي : البعيد المحترق بطاعتكم فيما يوسوس به إليكم والطاعة قد تطلق على العبادة.
ثم علل النهي عن عبادته بقوله تعالى : (إِنَّهُ لَكُمْ) والتأكيد ؛ لأن أفعالهم أفعال من يعتقد صداقته (عَدُوٌّ مُبِينٌ) أي : ظاهر العداوة جدا من جهة عداوته لأبيكم التي أخرجتكم من الجنة التي لا منزل أشرف منها ومن جهة أمركم بما ينغص الدنيا من التخالف والخصام ، ومن جهة تزيينه للفاني الذي لا يرغب فيه عاقل لو لم يكن فيه عيب غير فنائه فكيف إذا كان أكثره أكدارا وأدناسا؟ فكيف إذا كان شاغلا عن الباقي؟ فكيف إذا كان عائقا عن المولى؟ فكيف إذا كان مغضبا له حاجبا
__________________
(١) أخرجه ابن ماجه في المقدمة حديث ١٨٤ ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٩ / ٦٤٩ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ٧ / ٩٨ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٣٠٣٢.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
