شيئا ثم بين ذلك بقوله تعالى : (مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) دخل فيه كل نجم وشجر ومعدن وغيره من كل ما يتولد منها (وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ) من الذكور والإناث وقوله تعالى (وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) يدخل فيه ما في أقطار السموات وتخوم الأرضين من المخلوقات العجيبة الغريبة.
ولما استدل تعالى بأحوال الأرض وهو المكان الكلي استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكلي بقوله تعالى : (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ) أي : على إعادة الشيء بعد فنائه (نَسْلَخُ) أي : نفصل (مِنْهُ النَّهارَ) فإن دلالة الزمان والمكان متناسبة ؛ لأن المكان لا يستغني عنه الجواهر ، والزمان لا يستغني عنه الأعراض ؛ لأن كل عرض فهو في زمان.
تنبيه : نسلخ استعارة تبعية مصرحة ، شبه انكشاف ظلمة الليل بكشط الجلد من الشاة والجامع ما يعقل من ترتب أحدهما على الآخر (فَإِذا هُمْ) أي : بعد إزالة ما للنهار الذي سلخناه من الليل (مُظْلِمُونَ) أي : داخلون في الظلام بظهور الليل الذي كان الضياء ساترا له كما يستر الجلد الشاة ، قال الماوردي : وذلك أن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم نقله ابن الجوزي عنه ، وقد أرشد السياق حتما إلى أن التقدير : والنهار نسلخ منه الليل الذي كان ساتره وغالبا عليه فإذا هم مبصرون.
ولما ذكر الوقتين ذكر آيتيهما مبتدئا بآية النهار بقوله تعالى : (وَالشَّمْسُ) أي : التي سلخ النهار من الليل بغيبوبتها (تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها) أي : لحد معين ينتهي إليه دورها لا تتجاوزه فشبه بمستقر المسافر إذا قطع سيره ، وقيل : مستقرها بانتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة ، وقيل : إنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع فذلك مستقرها لا تتجاوزه ، وقيل : مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء ، وقد صح عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «مستقرها تحت العرش» (١) وروي أنه صلىاللهعليهوسلم قال لأبي ذر حين غربت الشمس : «تدري أين تذهب؟ قلت : الله ورسوله أعلم قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها : ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها»)(٢).
ولما كان هذا الجري على نظام لا يختل على ممر السنين وتعاقب الأحقاب عظمه بقوله تعالى : (ذلِكَ) أي : الأمر الباهر للعقول وزاد في عظمه بصيغة التفعيل بقوله تعالى : (تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ) أي : الذي لا يقدر أحد في شيء من أمره على نوع مغالبة وهو غالب على كل شيء (الْعَلِيمِ) أي : المحيط علما بكل شيء الذي يدبر الأمر فيطرد على نظام عجيب ونهج بديع لا يعتريه وهن ولا يلحقه يوما نوع خلل ، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى المستقر أي : ذلك المستقر تقدير العزيز العليم.
ولما ذكر آية النهار أتبعها آية الليل بقوله تعالى : (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ) أي : من حيث سيره (مَنازِلَ) ثمانية وعشرين منزلا في ثمانية وعشرين ليلة من كل شهر ويستتر ليلتين إن كان الشهر
__________________
(١) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث ٤٨٠٣ ، ومسلم في الإيمان حديث ١٥٩.
(٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق حديث ٣١٩٩ ، ومسلم في الإيمان حديث ١٥٩ ، والترمذي في تفسير القرآن حديث ٣٢٢٧.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
