جملة المقتصدين ، فإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل في عداد السابقين ، وقيل غير ذلك والله أعلم.
ولما كان هذا ليس في قوة العبد في مجاري العادات ولا يوجد بالكسب والاجتهاد أشار إلى عظمته بقوله تعالى : (بِإِذْنِ اللهِ) أي : بتمكين من له القدرة التامة والعظمة العامة والفعل بالاختيار وجميع صفات الجمال والجلال والكمال وتسهيله وتيسيره ، لئلا يأمن أحد مكره تعالى ، قال الرازي في «اللوامع» : ثم من السابقين من يبلغ محل القرب فيستغرق في وحدانيته تعالى (ذلِكَ) أي : إيراثهم الكتاب أو السبق أو الاصطفاء (هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ).
ولما ذكر الله سبحانه وتعالى أحوالهم بين جزاءهم وما لهم بقوله تعالى مستأنفا جوابا لمن سأل عن ذلك : (جَنَّاتُ عَدْنٍ) أي : إقامة بلا رحيل ؛ لأنه لا سبب للترحيل عنها وقوله تعالى (يَدْخُلُونَها) أي : الثلاثة أصناف ، خبر جنات عدن ومن دخلها لم يخرج منها ؛ لأنه لا شيء يخرجه ولا هو يريد الخروج منها ، وقرأ أبو عمرو بضم الياء وفتح الخاء ، والباقون بفتح الياء وضم الخاء.
ولما كان الداخل إلى مكان أول ما ينظر إلى ما فيه من النفائس قال تعالى (يُحَلَّوْنَ فِيها) أي : يلبسون على سبيل التزين والتحلي (مِنْ أَساوِرَ) أي : بعض أساور (مِنْ ذَهَبٍ) فمن الأولى للتبعيض ، والثانية للتبيين وقوله تعالى (وَلُؤْلُؤاً) عطف على ذهب أي : من ذهب مرصع باللؤلؤ ، أو من ذهب في صفاء اللؤلؤ ، وقرأ عاصم ونافع بالنصب عطفا على محل من أساور ، والباقون بالجر.
تنبيه : أساور جمع أسورة وهي جمع سوار ، وذكر الأساور من بين سائر الحلي في مواضع كثيرة كقوله تعالى (وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) [الإنسان : ٢١] يدل على كون المتحلي غير مبتذل في الأشغال ؛ لأن كثرة الأعمال باليد فإذا حليت بالأساور علم الفراغ من الأعمال ، ولما كانت هذه الزينة لا تليق إلا على اللباس الفاخر قال تعالى (وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ).
(وَقالُوا) أي : ويقولون عند دخولهم ، وعبر عنه بالماضي تحقيقا له (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : حزن النار ، وقال قتادة : حزن الموت وقال مقاتل : لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع بهم ، وقال عكرمة : حزن السيئات والذنوب وخوف رد الطاعات ، وقال القاسم : حزن زوال النعم وخوف العاقبة ، وقيل : حزن أهوال القيامة ، وقال الكلبي : ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة ، وقال سعيد بن جبير : الحزن في الدنيا ، وقيل : همّ المعيشة ، وقال الزجاج : أذهب الله تعالى عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو معاد أي : وهذا أولى الكل قال عليه الصلاة والسلام : «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم ، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون : «الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» (١).
ثم قالوا (إِنَّ رَبَّنا) أي : المحسن إلينا مع إساءتنا (لَغَفُورٌ) أي : محّاء للذنوب عينا وأثرا للصنفين الأولين ولغيرهما من المذنبين (شَكُورٌ) للصنف الثالث ولغيره من المطيعين.
__________________
(١) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠ / ٨٢ ، ٣٣٣ ، والمنذري في الترغيب والترهيب ٢ / ٤١٦ ، وابن حجر في فتح الباري ٥ / ١٠ ، والسيوطي في الدر المنثور ٤ / ١٨٨ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ١٢٨ ، ١٧٦.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
