يطيقه شخص يقال : هو مغلوب بالنسبة إلى ذلك الفعل فقوله تعالى (وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ) أي : ذلك الفعل لا يغلبه بل هو هيّن على الله تعالى وقوله سبحانه (عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ) أي : يحزنه ويؤذيه كالشغل الغالب.
وقوله تعالى : (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) فيه حذف الموصوف للعلم به أي : ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى ، فإن قيل : كيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ)؟ [العنكبوت : ١٣] أجيب : بأن تلك الآية في الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم وكل ذلك أوزارهم وليس فيها شيء من أوزار غيرهم. (وَإِنْ تَدْعُ) أي : نفس (مُثْقَلَةٌ) أي : بالوزر (إِلى حِمْلِها) أي : من الوزر أحدا ليحمل بعضه (لا يُحْمَلْ) أي : من حامل ما (مِنْهُ شَيْءٌ) أي : لا طواعية ولا كرها بل لكل امرئ شأن يغنيه (وَلَوْ كانَ) ذلك الداعي أو المدعو للحمل (ذا قُرْبى) لمن دعاه.
فإن قيل : ما الفرق بين معنى قوله تعالى (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) ومعنى قوله تعالى (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ)؟ أجيب : بأن الأول : في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه وأنه لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها ، والثاني : في أن لا غياث يومئذ بمن استغاث حتى أن نفسا قد أثقلتها الأوزار لو دعت إلى أن تخفف بعض وزرها لم تجب ولم تغث ، وإن كان الداعي أو المدعو بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ قال ابن عباس : يلقى الأب أو الأم ابنه فيقول : يا بني احمل عني بعض ذنوبي فيقول لا أستطيع حسبي ما علي.
تنبيه : أضمر الداعي أو المدعو بدلالة إن تدع عليه.
ولما كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم أسمعهم ذلك فلم ينفعهم نزل (إِنَّما تُنْذِرُ) أي : إنذارا يفيد الرجوع عن الغي (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) أي : المحسن إليهم فيوقعون هذا الفعل في الحال ويواطئون عليه في الاستقبال ، ولما كان أولى الناس عقلا وأعلاهم همة من كان غيبه مثل حضوره قال تعالى (بِالْغَيْبِ) وهو حال من الفاعل أي : يخشونه غائبين عنه أو من المفعول أي : غائبا عنهم.
ولما كانت الصلاة جامعة للخضوع الظاهر والباطن فكانت أشرف العبادات وكانت إقامتها بمعنى حفظ جميع حدودها في كل حال أدل الطاعات على الإخلاص قال تعالى معبرا بالماضي ؛ لأن مواقيت الصلاة مضبوطة (وَأَقامُوا) أي : دليلا على خشيتهم (الصَّلاةَ) في أوقاتها الخمسة وما يتبع ذلك من السنن (وَمَنْ تَزَكَّى) أي : تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي (فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ) إذ نفعه لها (وَإِلَى اللهِ) أي : الذي لا إله غيره (الْمَصِيرُ) أي : المرجع كما كان منه المبدأ فيجازي كلا على فعله.
ثم لما بين تعالى الهدى والضلالة وهدى الله تعالى المؤمن ولم يهد الكافر ضرب لهما مثلا بقوله تعالى : (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى) أي : عن الهدى (وَالْبَصِيرُ) بالهدى أي : المؤمن والكافر وقيل : الجاهل والعالم ، وقيل : هما مثلا للصنم ولله تعالى.
(وَلَا الظُّلُماتُ) أي : الكفر (وَلَا النُّورُ) أي : الإيمان ، أو ولا الباطل ولا الحق.
(وَلَا الظِّلُ) أي : الجنة (وَلَا الْحَرُورُ) أي : النار ، أو ولا الثواب ولا العقاب.
تنبيه : قال ابن عباس : الحرور الريح الحارة بالليل ، والسموم بالنهار وقيل : الحرور تكون بالنهار مع الشمس ، وقيل : السموم تكون بالنهار والحرور بالليل والنهار.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
