منبها لمن غفل موبخا لمن جحد ورادّا على أهل القدر الذين يدعون أنهم يخلقون أفعالهم ومنبها على نعمة الإيجاد الأول (هَلْ مِنْ خالِقٍ) أي : للنعم وغيرها (غَيْرُ اللهِ) أي : فليس لغيره في ذلك مدخل يستحق أن يشرك به ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الراء نعتا لخالق على اللفظ ومن خالق مبتدأ مزاد فيه من ، والباقون بالرفع وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه خبر المبتدأ ، والثاني : أنه صفة لخالق على الموضع والخبر إما محذوف وإما يرزقكم. والثالث : أنه مرفوع باسم الفاعل على جهة الفاعلية ؛ لأن اسم الفاعل قد اعتمد على أداة الاستفهام.
ولما كان جواب الاستفهام قطعا لا بل هو الخالق وحده قال منبها على نعمة الإبقاء الأول بقوله تعالى : (يَرْزُقُكُمْ) أي : وحده فنعمة الله تعالى مع كثرتها منحصرة في قسمين : نعمة الإيجاد ، ونعمة الإبقاء.
ولما كانت كثرة الرزق كما هو مشاهد مع وحدة المنبع أدل على العظمة قال (مِنَ السَّماءِ) أي : بالمطر وغيره (وَالْأَرْضِ) أي : بالنبات وغيره.
ولما بين تعالى أنه الرازق وحده قال (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) أي : من أين تصرفون عن توحيده مع إقراركم بأنه الخالق الرازق وتشركون المنحوت بمن له الملكوت.
ولما بين تعالى الأصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله تعالى : (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ) أي : يا أشرف الخلق في مجيئك بالتوحيد والبعث والحساب والعقاب وغير ذلك (فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) في ذلك ، فإن قيل : فما وجه صحة جزاء الشرط ومن حق الجزاء أن يعقب الشرط وهذا سابق له؟ أجيب : بأن معناه وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل من قبلك فوضع (فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) موضع «فتأس» استغناء بالسبب عن المسبب أعني بالتكذيب عن التأسي ، فإن قيل : ما معنى التنكير في رسل؟ أجيب : بأن معناه فقد كذبت رسل أي : رسل ذوو عدد كثير وأولو آيات ونذر وأهل أعمار طوال ، وأصحاب صبر وعزم وما أشبه ذلك ، وهذا أسلى له وأحث على المصابرة.
قال القشيري : وفي هذا إشارة للحكماء وأرباب القلوب مع العوام والأجانب من هذه الطريقة فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل ، وأهل الحقائق أبدا منهم في مقاساة الأذية ، والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القراء المتعنتين.
ثم بين من حيث الإجمال أن المكذّب في العذاب ، وأن المكذّب له الثواب بقوله تعالى : (وَإِلَى اللهِ) أي : وحده ؛ لأن له الأمور كلها (تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي : في الآخرة فيجازيكم وإياهم على الصبر والتكذيب.
ثم بين تعالى الأصل الثالث وهو الحشر بقوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ) ولما كانوا ينكرون البعث أكد قوله تعالى (إِنَّ وَعْدَ اللهِ) أي : الذي له صفات الكمال بكل ما وعد به من البعث وغيره (حَقٌ) أي : ثابت لا خلف فيه ، وقد وعد أنه يردكم إليه في يوم تنقطع فيه الأسباب ويعرض عن الأحساب والأنساب (فَلا تَغُرَّنَّكُمُ) أي : بأنواع الخداع من اللهو والزينة (الْحَياةُ الدُّنْيا) فإنه لا يليق بذي همة علية اتباع الدنيء والرضا بالدون الزائل عن العالي الدائم (وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ) أي : الذي لا يخلف الميعاد وهو الكبير المتعال (الْغَرُورُ) أي : الذي لا يصدق في شيء وهو الشيطان العدو.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
