بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١) سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (٦٢))
(لا جُناحَ) أي : لا إثم (عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَ) دخولا وخلوة من غير حجاب سواء كان الأب من النسب أو من الرضاع (وَلا أَبْنائِهِنَ) أي : من البطن أو الرضاعة (وَلا إِخْوانِهِنَ) لأن عارهنّ عارهم فلا فرق أن يكونوا من النسب أو الرضاع (وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَ) فإنهن بمنزلة آبائهم (وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَ) فإنهن بمنزلة أمهاتهم وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية ياء خالصة في الوصل وحققها الباقون وفي الابتداء بالثانية الجميع بالتحقيق (وَلا نِسائِهِنَ) أي : المسلمات القربى منهن والبعدى بمنزلة واحدة ، وأما الكافرات فهن بمنزلة الأجانب من الرجال لكن رجح النووي أنه يجوز أن تنظر منها ما يبدو عند المهنة (وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ) من العبيد لأنهم لما لهنّ عليهم من السلطان يبعد منهم الريبة هيبة لهن مع مشقة الاحتجاب عنهم.
تنبيه : قدم تعالى الآباء ؛ لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر وكيف وهم قد رأوا جميع بدن البنات في حال صغرهن ، ثم الأبناء ثم الإخوة وذلك ظاهر ، وإنما الكلام في بني الإخوة حيث قدّمهم الله تعالى على بني الأخوات ، لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم خالات أبنائهم وبني الإخوة آباؤهم محارم ، ففي بني الأخوات مفسدة ما ، وهي أن الابن ربما يحكي خالته عند أبيه وهو ليس بمحرم ولا كذلك في بني الإخوة.
فإن قيل : لم يذكر الله تعالى من المحارم الأعمام والأخوال فلم يقل : ولا أعمامهن ولا أخوالهن. أجيب عن ذلك بوجهين : أحدهما : أن ذلك معلوم من بني الإخوة وبني الأخوات ؛ لأن من علم أن بني الأخ للعمات محارم علم أن بنات الأخ للأعمام محارم ، وكذلك الحال في أمر الخالة. وثانيهما : أن الأعمام ربما يذكرون بنات الأخ عند أبنائهم وهم غير محارم ، وكذلك الحال في ابن الخال.
وذكر ملك اليمين بعد هذا كله لأن المفسدة في التكشف لهم ظاهرة وقوله تعالى (وَاتَّقِينَ) عطف على محذوف أي : امتثلن ما أمرتن به واتقين (اللهَ) أي : الذي لا شيء أعظم منه فلا تقربن شيئا مما يكرهه وإنما أمرهن لأن الريبة من جهة النساء أكثر لأنه لا يكاد الرجل يتعرض إلا لمن ظن بها الإجابة لما يرى من مخايلها ومخايل أشكالها.
ولما كان الخوف لا يعظم إلا ممن كان حاضرا مطلعا قال : (إِنَّ اللهَ) أي : العظيم الشأن (كانَ) أي : أزلا وأبدا (عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من أفعالكن وغيرها (شَهِيداً) أي : لا يغيب عنه شيء وإن دق فهو مطلع عليكن حال الخلوة فلا تخفى عليه خافية.
ولما أمر تعالى بالاستئذان وعدم النظر إلى نسائه احتراما له كمل بيان حرمته بقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ) أي : محمد صلىاللهعليهوسلم قال ابن عباس : أراد أن الله تعالى يرحم النبي والملائكة يدعون له ، وعن ابن عباس أيضا : يصلون يبركون والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار وقال أبو العالية : صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة الدعاء.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
