وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠))
(فَأَنْجَيْناهُ) أي : نوحا عليهالسلام (وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ) أي : الذين كانوا فيها من الغرق ، وكانوا ثمانية وسبعين نفسا نصفهم ذكور ونصفهم إناث منهم أولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم ، وعن محمد بن إسحاق كانوا عشرة خمسة رجال وخمسة نسوة ، وقد روي عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم» (١)(وَجَعَلْناها) أي : السفينة أو الحادثة والقصة (آيَةً) أي : عبرة وعلامة على قدرة الله تعالى وعلمه وإنجائه للطائع وإهلاكه للعاصي (لِلْعالَمِينَ) أي : لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسولهم فإنه لم يقع في الدهر حادثة أعظم منها ولا أغرب ولا أشهر في تطبيق الماء جميع الأرض بطولها والعرض وإغراق جميع ما عليها من حيوان إنسان وغيره.
ولما ذكر تعالى قصة نوح وكان بلاء إبراهيم عليهالسلام عظيما في قذفه في النار وإخراجه من بلاده اتبعه به بقوله تعالى : (وَإِبْراهِيمَ) وهو منصوب إما باذكر ويكون (إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ) أي : خافوا عقابه بدل اشتمال لأنّ الأحيان تشمل ما فيها ، وإمّا معطوفا على نوحا ، وإذ ظرف لأرسلنا أي : أرسلناه حين بلغ من السنّ والعلم مبلغا صلح فيه لأن يعظ قومه وينصحهم ويعرض عليهم الحق ويأمرهم بالعبادة والتقوى (ذلِكُمْ) أي : الأمر العظيم الذي هو إخلاصكم في عبادتكم له وتقواكم (خَيْرٌ لَكُمْ) أي : من كل شيء (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي : في عداد من يتجدّد له علم فينظر في الأمور بنظر العلم دون نظر الجهل.
ولما أمرهم بما تقدّم ونفى العلم عمن جهل خيريته دل عليه بقوله : (إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) أي : غيره (أَوْثاناً) أي : أصناما لا تستحق العبادة لأنها حجارة منحوتة لا شرف لها (وَتَخْلُقُونَ) أي : تصوّرون بأيديكم (إِفْكاً) أي : شيئا مصروفا عن وجهه فإنه مصنوع وأنتم تسمونه باسم الصانع ، ومربوب وأنتم تسمونه ربا ، أو تقولون كذبا في تسميتها آلهة وادعاء شفاعتها عند الله ، ثم إنّ الله تعالى نفى عنها النفع بقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ) ضلالا وعدولا عن الحق الواضح (مِنْ دُونِ) أي : غير (اللهِ) الذي له الملك كله (لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً) أي : شيئا من الرزق الذي لا قوام لكم بدونه وأنتم تعبدونها فكيف بغيركم فتسبب عن ذلك قوله تعالى : (فَابْتَغُوا) أي : اطلبوا (عِنْدَ اللهِ) أي : الذي له صفات الكمال (الرِّزْقَ) أي : كله فإنه لا شيء منه إلا وهو بيده ، فإن قيل : لم نكرة الرزق في قوله تعالى : (لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً)؟ وعرفه في قوله تعالى : (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ) أجيب : بأنه نكرة في معرض النفي أي : لا رزق عندهم أصلا وعرفه عند الإثبات عند الله تعالى أي : كل رزق عنده فاطلبوه منه ، وأيضا الرزق من الله معروف لقوله تعالى : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها) [هود ، ٦] والرزق من الأوثان غير معلوم فنكره لعدم حصول العلم به (وَاعْبُدُوهُ) أي : عبادة يقبلها وهي ما كانت خالصة من الشرك (وَاشْكُرُوا) أي : أوقعوا الشكر (لَهُ) خاصة على ما أفاض عليكم من النعم ، ثم علل ذلك بقوله تعالى : (إِلَيْهِ) وحده (تُرْجَعُونَ) أي : معنى في الدنيا والآخرة فإنه لا حكم في الحقيقة لأحد سواه ، وحسا بالنشر والحشر بأيسر أمر فيثيب الطائع ويعذب العاصي.
__________________
(١) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
