(رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ) أي : معاملة رابحة ، وقيل : المراد بالتجارة الشراء لقوله تعالى : (وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ) إطلاقا لاسم الجنس على النوع كما تقول : رزق فلان تجارة صالحة إذا اتجه له بيع صالح أو شراء ، وعلى الأول ذكر مبالغة للتعظيم والتعميم بعد التخصيص ، وقيل : التجارة لأهل الجلب تقول تجر فلان في كذا أي : جلب.
تنبيه : قوله تعالى : (رِجالٌ) فاعل يسبح بكسر الباء وعلى فتحها نائب الفاعل له ورجال فاعل فعل مقدر جواب سؤال مقدر كأنه قيل : من يسبحه وحذف من قوله تعالى : (وَإِقامِ الصَّلاةِ) الهاء تخفيفا أي : وإقامة الصلاة ، وأراد أداءها في وقتها لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة ، وإنما ذكر إقام الصلاة مع أن المراد من ذكر الله الصلوات الخمس لأنه تعالى أراد بإقامة الصلاة حفظ المواقيت. روى سالم عن ابن عمر : أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة ، فقام الناس وغلقوا حوانيتهم فدخلوا المسجد ؛ قال ابن عمر : فيهم نزلت هذه الآية : (وَإِيتاءِ الزَّكاةِ) قال ابن عباس : إذا حضر وقت أداء الزكاة لم يحبسوها أي : فيخرجون ما يجب إخراجه من المال للمستحقين ، وقيل : هي الأعمال الصالحة ومع ما هم عليه (يَخافُونَ يَوْماً) هو يوم القيامة (تَتَقَلَّبُ) أي : تضطرب (فِيهِ الْقُلُوبُ) بين النجاة والهلاك (وَالْأَبْصارُ) بين ناحيتي اليمين والشمال ، وقيل : تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشك إلى اليقين وتنفتح الأبصار من الأغطية.
وقوله تعالى : (لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ) متعلق بيسبح أو بلا تلهيهم ، أو بيخافون (أَحْسَنَ ما عَمِلُوا) في الطاعات فرضها ونقلها أي : ثوابه الموعود لهم ، وأحسن بمعنى حسن (وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) ما لم يستحقوه بأعمالهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، وقوله تعالى : (وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) تقرير للزيادة ، وتنبيه على كمال القدرة ونفاذ المشيئة وسعة الإحسان وكمال جوده فكأنه سبحانه وتعالى لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة ومع ذلك يكونون في نهاية الخوف ، فالله سبحانه وتعالى يعطيهم الثواب العظيم على طاعتهم ، ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم.
وقوله تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ) أي : فحالهم على ضد ذلك ، فإن أعمالهم التي يحسبونها صالحة نافعة عند الله تعالى يجدونها لاغية مخيبة في العاقبة كسراب وهو ما يرى في الفلاة وقت الضحى الأكبر شبيها بالماء الجاري ، وهو ليس بماء ، ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جاريا ، وقيل : هو الشعاع الذي يرى نصف النهار في شدّة الحر في البراري الذي يخيل للناظر أنه الماء السارب أي : الجاري ، فإذا قرب منه انغش فلم ير شيئا ، وأما الآل فإنما يكون أول النهار كأنه ماء بين السماء والأرض ، وقال البغوي : والآل ما ارتفع عن الأرض وهو شعاع يجري بين السماء والأرض بالغدوات شبه بالمرآة ترفع فيها الشخوص يرى فيها الصغير كبيرا ، والقصير طويلا والرقراق يكون بالعشاء وهو ما ترقرق من السراب أي : جاء وذهب ، وقوله تعالى : (بِقِيعَةٍ) جمع قاع وهي أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام قاله في القاموس ، وقيل : القيعة بمعنى القاع ، وهو الأرض المستوية المنبسطة ، وفيها يكون السراب ، وقال الفراء : جمع قاع كجار وجيرة ، وقال الفارسي : جمعه قيعة وقيعان (يَحْسَبُهُ) أي : يظنه (الظَّمْآنُ) أي : العطشان الشديد العطش من ضعف العقل (ماءً) فيقصده ولا يزال سائرا (حَتَّى إِذا جاءَهُ) أي : ما قدر أنه
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
