الشيخ مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنونا فلا يقبلون منه شيئا فشكى إلى الله تعالى ، فقال : (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً) [نوح ، ٥] حتى قال : (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) [نوح ، ٢٦] فأوحى الله تعالى إليه :
(وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠) وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩))
(وَاصْنَعِ الْفُلْكَ) أي : السفينة (بِأَعْيُنِنا) قال ابن عباس بمرأى منا. وقال مقاتل : بعلمنا. وقيل : بحفظنا. (وَوَحْيِنا) أي : بأمرنا لك كيف تصنعها (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي : ولا تراجعني في الكفار ، ولا تدعني في استدفاع العذاب عنهم (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) أي : محكوم عليهم بالإغراق فلا سبيل إلى كفه. وقيل : لا تخاطبني في ابنك كنعان وامرأتك راعلة فإنهما هالكان مع القوم ، ويروى أنّ جبريل عليهالسلام أتى نوحا فقال : إنّ ربك يأمرك أن تصنع الفلك. قال : كيف أصنع ولست بنجار. قال : إنّ ربك يقول اصنع فإنك بأعيننا ، فأخذ القدوم فجعل ينجر ولا يخطئ وصنعها فعملها مثل جؤجؤ الطير.
وفي قوله تعالى : (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) قولان : أحدهما : أنه حكاية حال ماضية ، أي : في ذلك الوقت كان يصدق عليه أنه يصنع الفلك. الثاني : التقدير فأقبل يصنع الفلك فاقتصر على قوله : (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) ثم إنّ نوحا عليهالسلام أقبل على عملها ولهى عن قومه وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد ويهيئ عدّة الفلك من القار وغيره ، وجعل قومه يمرّون عليه ويسخرون منه كما قال تعالى : (وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ) أي : جماعة (مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) أي : استهزؤوا به ويقولون يا نوح قد صرت نجارا بعدما كنت نبيا ، فأعقم الله أرحام نسائهم فلا يولد لهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما : اتخذ نوح عليهالسلام السفينة في سنتين وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع ، وكانت من خشب الساج ، وجعل لها ثلاثة بطون ، فجعل في البطن الأوّل الوحوش والهوامّ ، وفي البطن الأوسط الدوابّ وركب هو ومن معه البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد. وقال قتادة : كان بابها في عرضها.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
