رسما ، وحيث اجتمع ضميران وليس أحدهما مرفوعا وقدم الأعرف منهما جاز في الثاني الوصل كما في الآية ، والفصل كأن يقال : أنلزمكم إياها.
(وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) أي : على تبليغ الرسالة وهو وإن لم يذكر معلوم مما ذكر (مالاً) أي : جعلا تعطونيه (إِنْ) أي : ما (أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ) أي : ما ثواب تبليغي إلا عليه فإنه المأمول منه تعالى. وقرأ ابن كثير وشعبة وحمزة والكسائي بسكون الياء والباقون بالفتح. وقول نوح عليهالسلام : (وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا) جواب لهم حين طلبوا طردهم ، فإنهم طلبوا من نوح عليهالسلام قبل أن يطرد الذين آمنوا وهم الأرذلون في زعمهم فقال : ما يجوز لي ذلك. (إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) أي : بالبعث فيخاصمون طاردهم عنده ويأخذ لهم ممن ظلمهم وطردهم أو أنهم يلاقونه ويفوزون بقربه فكيف أطردهم (وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ) أي : إنّ هؤلاء المؤمنين خير منكم أو عاقبة أمركم أو تسفهون عليهم بأن تدعوهم أراذل.
(وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي) أي : يمنعني (مِنَ اللهِ) أي : من عقابه (إِنْ طَرَدْتُهُمْ) عني وهم مؤمنون مخلصون (أَفَلا) أي : فهلا (تَذَكَّرُونَ) أي : تتعظون. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد بإدغام التاء في الأصل في الذال.
(وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ) أي : خزائن رزقه ، فكما أني لا اسألكم مالا فكذلك لا أدعي أني أملك مالا ولا غرض لي في المال لا أخذا ولا دفعا ، وقوله : (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) فأتعاظم به عليكم حتى تقولوا ما أنت إلا بشر مثلنا بل طريقتي التواضع والخضوع ، ومن كان هذا شأنه وطريقته كذلك فإنه لا يستنكف عن مخالطة الفقراء والمساكين ولا يطلب مجالسة الأمراء والسلاطين ، ثم أكد ذلك بقوله : (وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي) أي : تحتقر (أَعْيُنُكُمْ) أي : لا أقول في حقهم (لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً) فإن ما أعدّ الله تعالى لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا (اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ) وهذا كالدلالة على أنهم كانوا ينسبون أتباعه مع الفقر والذلة إلى النفاق (إِنِّي إِذاً) أي : إن فعلت ذلك (لَمِنَ الظَّالِمِينَ) لنفسي ومن الظالمين لهم. فإن قيل : هذه الآية تدل على تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، فإن الإنسان إذا قال : لا أدعي كذا وكذا إنما يحسن إذا كان ذلك الشيء أشرف من أحوال ذلك القائل؟ أجيب : بأن نوحا عليهالسلام إنما ذكر ذلك جوابا عما ذكروه من الشبه ، فإنهم طعنوا في أتباعه بالفقر فقال : (وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ) حتى أجعلهم أغنياء وطعنوا فيهم أيضا بأنهم منافقون فقال : (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) حتى أعرف كيفية باطنهم وإنما تكليفي بناء الأحوال على الظاهر ، وطعنوا فيه أنه من البشر فقال : (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) حتى تنفوا عني ذلك وحينئذ فالآية ليس فيها ذلك. فإن قيل : في هذه الآية دلالة على أنّ طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار من أصول المعاصي فكيف طرد محمد صلىاللهعليهوسلم بعض فقراء المؤمنين لطلب مرضاة الله حتى عاتبه الله تعالى في قوله : (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِ) [الأنعام ، ٥٢]؟ أجيب : بأنّ الطرد المذكور في هذه الآية محمول على الطرد المطلق على سبيل التأبيد ، والطرد المذكور في واقعة محمد صلىاللهعليهوسلم محمول على التبعيد في أوقات معينة رعاية للمصلحة.
ولما أنّ الكفار أوردوا تلك الشبهة وأجاب نوح عليهالسلام عنها بالجوابات الموافقة الصحيحة أوردوا عليه كلامين : الأوّل ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله تعالى : (قالُوا يا نُوحُ قَدْ
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
