جبار» (١) ، أي : هدر رواه الشيخان وغيرهما ، والشافعي وأصحابه يوجبون الضمان بالليل إذ المعتاد ضبط الدواب ليلا ، ولذلك قضى النبيّ صلىاللهعليهوسلم لما دخلت ناقة البراء حائطا وأفسدته ، فقال : «على أهل الأموال حفظها بالنهار ، وعلى أهل الماشية حفظها بالليل» (٢) ، ولما كان ذلك ربما أوهم شيئا في أمر داود ، نفاه بقوله تعالى : (وَكُلًّا) أي : منهما (آتَيْنا حُكْماً) أي : نبوّة وعملا مؤسسا على حكمة العلم (وَعِلْماً) مؤيدا بصالح العمل ، وعن الحسن لو لا هذه الآية لرأيت القضاة قد هلكوا ، ولكنه تعالى أثنى على سليمان لصوابه ، وعلى داود باجتهاده انتهى ، وهذا على الرأي الثاني ، وعليه أكثر المفسرين ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إذا حكم الحاكم فاجتهد ، فأصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ ، فله أجر» (٣) ، وهل كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد لا بعينه؟ رأيان أظهرهما الثاني ، وإن كان مخالفا لمفهوم الآية إذ لو كان كل مجتهد مصيبا لم يكن للتقسيم في الحديث معنى وقوله صلىاللهعليهوسلم : وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق ؛ لأنّ اجتهاده عبادة ، والإثم في الخطأ عنه موضوع.
فائدة : من أحكام داود وسليمان عليهماالسلام ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : «كانت امرأتان معهما ابناهما ، فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما ، فقالت لصاحبتها : إنما ذهب بابنك ، وقالت الأخرى : إنما ذهب بابنك ، فتحاكما إلى داود فقضى به للكبرى ، فخرجتا على سليمان ، فأخبرتاه ، فقال : ائتوني بالسكين أشقه بينكما ، فقالت الصغرى : لا تفعل يرحمك الله هو ابنها ، فقضى به للصغرى» (٤) أخرجاه في الصحيحين.
ثم إنه تعالى ذكر لداود وسليمان بعض معجزات ، فمن بعض معجزات الأوّل ما ذكره بقوله تعالى : (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ) مع صلابتها وعظمها (يُسَبِّحْنَ) معه أي : يقدّسن الله تعالى ، ولو شئنا لجعلنا الحرث والغنم تكلمه بصواب الحكم ، وقال ابن عباس : كان يفهم تسبيح الحجر والشجر ، وقوله تعالى : (وَالطَّيْرَ) عطف على الجبال أو مفعول معه ، وقال وهب : كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح ، وكذا الطير ، وقال قتادة : يسبحن أي : يصلين معه إذا صلىّ ، وقيل : كان داود إذا فتر يسمعه الله تعالى تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه ، وقيل : يسبحن بلسان الحال ، وقيل : يسبح من رآها تسير معه بتسيير الله تعالى ، فلما جبلت على التسبيح وصفت به (كنا غافلين) أي : من شأننا الفعل لأمثال هذه الأفاعيل ، ولكل شيء نريده ، فلا تستكثروا علينا أمرا ، وإن كان عندكم عجبا ، وقد اتفق نحو هذا لغير واحد من هذه الأمة. كان مطرف بن عبد
__________________
(١) أخرجه البخاري في الديات حديث ٦٩١٢ ، ومسلم في الحدود حديث ١٧١٠ ، والترمذي في الزكاة حديث ٦٤٢ ، والنسائي في الزكاة حديث ٢٤٩٧ ، وابن ماجه في الديات حديث ٢٦٧٣ ، والدارمي في الزكاة حديث ١٦٦٨ ، وأحمد في المسند ٢ / ٤٧٥.
(٢) أخرجه أبو داود في البيوع حديث ٣٥٧٠.
(٣) أخرجه البخاري في الاعتصام حديث ٧٣٥٢ ، ومسلم في الأقضية حديث ١٧١٦ ، وأبو داود في الأقضية حديث ٣٥٧٤ ، والنسائي في القضاة حديث ٥٣٨١ ، وابن ماجه في الأحكام حديث ٢٣١٤.
(٤) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب ٤٠ ، ومسلم في الأقضية حديث ٢٠ ، والنسائي في القضاة باب ١٤ ، ١٥ ، وأحمد في المسند ٢ / ٣٢٢ ، ٣٤٠.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
