غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢))
(وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً) من نمروذ وقومه من أرض العراق (إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) وهي الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار ، ومنها بعث أكثر الأنبياء قال أبيّ بن كعب بارك الله فيها وسماها مباركة ؛ لأن ما من ماء عذاب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس أي : يهبط من السماء إلى الصخرة ثم يتفرّق في الأرض قاله أبو العالية ، وعن قتادة أنّ عمر رضي الله تعالى عنه قال لكعب الأحبار ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله صلىاللهعليهوسلم وقبره ، فقال كعب : إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين إن الشام كنز الله في أرضه ، وبها كنزه من عباده ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : «ستكون هجرة بعد هجرة ، فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم» (١) ؛ قال محمد بن إسحاق استجاب لإبراهيم رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله عزوجل به من جعل النار عليه بردا وسلاما على خوف من نمروذ وملئهم ، وآمن به لوط ، وكان ابن أخيه وهو لوط بن هاران بن تارح وهاران هو أخو إبراهيم ، وكان لهما أخ ثالث يقال له ناحور بن تارح ، وآمنت به أيضا سارة وهي بنت عمه ، وهي سارة بنت هاران الأكبر عمّ إبراهيم ، فخرج من كوثى وهي بضم الكاف ومثلثة قال ابن الأثير هي كوثن العراق وهي سرّة السواد ، وبها ولد إبراهيم الخليل ، وخرج مهاجرا إلى ربه ومعه لوط وسارة كما قال تعالى : (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي) [العنكبوت ، ٢٦] فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حران ، فمكث بها ما شاء الله ، ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر ، ثم خرج من مصر إلى الشام ، فنزل السبع من أرض فلسطين ، وهي برية الشام ، ونزل لوط بالمؤتفكة ، وهي على مسيرة يوم وليلة من السبع فبعثه الله تعالى نبيا إلى أهلها وما قرب منها فذلك قوله تعالى : (وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) أي : كما أنجيناك أنت يا أشرف الخلق ويا أفضل أولاده ، وصديقك أبا بكر رضي الله تعالى عنه إلى طيبة التي شرفناها بك وبثثنا من أنوارها في أرجاء الأرض وأقطارها ما لم نبث مثله قط وباركنا فيها للعالمين بالخلفاء الراشدين وغيرهم من العلماء والصالحين الذين انبثت خيراتهم العملية والعلمية والمالية في جميع الأقطار.
ولما ولد لإبراهيم في حال شيخوخته وعجز امرأته مع كونها عقيما ، وكان ذلك دالا على الاقتدار على البعث الذي السياق كله له قال تعالى : (وَوَهَبْنا لَهُ) دالا على ذلك بنون العظمة (إِسْحاقَ) أي : من شبه العدم وترك شرح حاله لتقدّمه أي : فكان ذلك دليلا على اقتدارنا على ما نريد لا سيما من إعادة الخلق في يوم الحساب ، ثم إنه قد يظن أنه لتولده بين شيخ فان وعجوز عقيم كان على حالة من الضعف لا يولد لمثله معها نفى ذلك بقوله تعالى : (وَيَعْقُوبَ نافِلَةً) أي : ولدا
__________________
(١) أخرجه أبو داود حديث ٢٤٨٢ ، وأحمد في المسند ٢ / ٢٠٩ ، وابن حجر في فتح الباري ١١ / ٣٨٠ ، والمنذري في الترغيب والترهيب ٤ / ٦١ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٣٥٠٢٣ ، ٣٨٨٨٨.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
