فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلا إلى ثمار الجنة ، فوقع ، فقيل : خلق الإنسان من عجل ، والمراد بالإنسان آدم وأورث أولاده العجلة ، وقال قوم : معناه خلق الإنسان يعني آدم من تعجيل في خلق الله تعالى إياه لأن خلقه كان بعد خلق كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة ، فأسرع في خلقه قبل مغيب الشمس ، قال مجاهد : فلما أحيا الروح رأسه قال : يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس وقيل بسرعة وتعجيل على غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة ثم العلقة ثم المضغة وغيرها ، وقال قوم : من عجل أي : من طين قال الشاعر (١) :
|
والنبع في الصخرة الصماء منبته |
|
والنخل ينبت بين الماء والعجل |
ثم قال تعالى مهددا للمكذبين : (سَأُرِيكُمْ آياتِي) أي : مواعيدي بالعذاب (فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) أي : تطلبون أن أوجد العجلة بالعذاب ، أو غيره فإني منزه عن العجلة التي هي من جملة نقائصكم ؛ لأنها إرادة الشيء قبل أوانه فإن قيل : لم نهاهم عن الاستعجال مع قوله : خلق الإنسان من عجل وقوله تعالى : (وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً) [الإسراء ، ١١] ، أليس هذا من تكليف ما لا يطاق؟ أجيب : بأن هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك العجلة ، وقد أراهم بعض آياته وهو القتل ببدر.
(وَيَقُولُونَ) في استهزائهم (مَتى هذَا الْوَعْدُ) أي : بإتيان الآيات من الساعة ومقدّماتها وغيرها (إِنْ كُنْتُمْ) فيما توعدون به (صادِقِينَ) أي : عريقين في هذا الوصف يعنون محمدا صلىاللهعليهوسلم وأصحابه ، وهذا هو الاستعجال المذموم المذكور على سبيل الاستهزاء.
ثم بيّن تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم بقوله تعالى : (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وذكر المفعول به بقوله تعالى : (حِينَ) أي : وقت (لا يَكُفُّونَ) أي : لا يدفعون (عَنْ وُجُوهِهِمُ) التي هي أشرف أعضائهم (النَّارَ) استسلاما وعجزا (وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ) التي هي أشدّ أجسامهم السياط (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي : لا يمنعون من العذاب في القيامة وجواب لو محذوف والمعنى : لو علموا لما أقاموا على كفرهم ولما استعجلوا العذاب ، ولا قالوا : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين.
(بَلْ تَأْتِيهِمْ) أي : القيامة (بَغْتَةً) أي : فجأة (فَتَبْهَتُهُمْ) أي : تحيرهم ، يقال : فلان مبهوت أي : متحير (فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها) أي : لا يطلبون طوع ذلك لهم في ذلك الوقت ليأسهم منه (وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي : يمهلون لتوبة أو معذرة.
ولما كان التقدير حاق بهم هذا باستهزائهم بك أتبعه ما يدل على أنّ الرسل في ذلك شرع واحد تسلية له صلىاللهعليهوسلم ، فقال عاطفا على وإذا رآك : (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) أي : كثيرين فلك بهم أسوة ، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة في الوصل بكسر الدال والباقون بالضم وإذا وقف حمزة أبدل الهمزة ياء ساكنة (فَحاقَ) أي : نزل (بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك ، ولما أعلم الله تعالى أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجهوهم النار ولا عن ظهورهم بسائر ما وصفهم به ، أتبعه بأنهم في الدنيا أيضا لو لا أنّ الله تعالى يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلامة ، فقال تعالى لرسوله صلىاللهعليهوسلم : (قُلْ) يا أشرف المرسلين
__________________
(١) البيت من البسيط ، وهو بلا نسبة في لسان العرب (عجل) ، وتهذيب اللغة ١ / ٣٦٩ ، وتاج العروس (عجل).
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
